تقرير – دارفور24
تشهد مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور أزمة سيولة نقدية حادة، عقب ارتفاع نسبة البدل بين التحويلات المالية من التطبيق المصرفي «بنكك» التابع لبنك الخرطوم إلى النقد «الكاش»، بنسبة تتراوح بين 40 و45%.
وأدت هذه الزيادة إلى ركود في الأسواق بعد توقف التعامل عبر تطبيق «بنكك» على نطاق واسع.
وقال تاجر، طلب الإشارة إلى اسمه بـ«م. ر»، لـ«دارفور24» إن أزمة السيولة النقدية التي تشهدها مدينة نيالا وبقية مدن دارفور مرت بمراحل متعددة، حيث بدأت بعد ارتفاع نسبة الخصم بين التحويلات والكاش إلى 8% و10%، ثم إلى 12% و15%، قبل أن تقفز النسبة إلى 20% و22%.
وأوضح أن النسب ارتفعت باستمرار بعد لجوء كبار التجار في نيالا إلى تفريغ حساباتهم المصرفية في بنك الخرطوم واستبدالها بالكاش بأي نسبة، تحوطًا من سحب المبالغ المالية من حساباتهم دون إخطارهم، فضلًا عن إغلاق جميع فروع البنك في إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، ما يحول دون متابعة الحساب في حال تعطيله أو سحب مبالغ مالية منه.
وأشار إلى أنه وعددًا من التجار أُجبروا في يوليو وأغسطس على تفريغ حساباتهم في بنك الخرطوم، مبينًا أن حسابه الذي كان يحتوي على 80 مليون حاول استبدالها نقدًا، وكان البدل آنذاك بين 15 و17%، لكنه استبدلها بنسبة 20 و22% في محاولة لإيجاد الكاش بصورة عاجلة.
وذكر التاجر أنه بعد قرار بنك السودان بتحديث بيانات العملاء ارتفعت نسبة البدل من «بنكك» إلى الكاش من بين 25 و30% إلى أن بلغت بصورة مفاجئة ما بين 40 و45%.
وسبق أن شكا عدد من العملاء في بنك الخرطوم بمدينة نيالا وبقية مدن دارفور من سحب مبالغ مالية من حساباتهم المصرفية دون إخطارهم بأسباب السحب.
وألزم بنك السودان المركزي المصارف، في فبراير الماضي، بتحديث بيانات العملاء، شريطة أن يحدث ذلك قبل سبتمبر، وسرعان ما جدد المهلة إلى نهاية العام، على أن يُجمَّد أو يُوقف كل حساب لم تُحدَّث بياناته.
تجفيف ثم احتكار النقود
وتحدث المصرفي محمد يوسف لـ«دارفور24» عن وجود عملية تجفيف ممنهج للسيولة النقدية من الأسواق، مستدلًّا بتوقف النظام المصرفي في دارفور، ما يجعل السيولة النقدية في أيدي الجمهور.
وذكر أن فرضية أزمة السيولة النقدية مفتعلة وغير واقعية، لكنه استدرك بأن الأزمة، إن وُجدت بالفعل، تكون في اختفاء العملة نهائيًا من الأسواق واتجاه الناس إلى المقايضة، وليس بما هو موجود الآن، حيث يجري تداول العملة بين فئة قليلة.
وذكر محمد أن هناك جهات لم يسمِّها تسعى إلى احتكار الكتلة النقدية المتداولة في الأسواق والسيطرة على حركتها.
ولفت إلى أن محاربة أصحاب مراكز التحويلات المالية بحجة توحيد البدل بسعر الكاش ما هي إلا جزء من هذه الخطة، لأن تلك الإجراءات، على حد وصفه، أسهمت في هذا الارتفاع.
وذهب التاجر محمود علي، في الاتجاه ذاته، موضحًا أن السيولة النقدية متوافرة لدى أفراد محددين داخل المدينة.
وقال إنه رغم أزمة السيولة التي تشهدها المدينة، شهد شراء 3 سيارات دفع رباعي موديل 2024 في شهري أغسطس وسبتمبر، تجاوزت قيمة الواحدة منها 200 مليون.
وأشار إلى أن هناك أشخاصًا سعوا منذ فترة إلى تجفيف السيولة النقدية في الأسواق من خلال تفريغ حساباتهم المصرفية، حيث أصبحوا يسيطرون على سوق العملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار، من خلال التحكم في صعود وهبوط قيمته أمام الجنيه السوداني، إلى جانب سيطرتهم على السلع الغذائية والتموينية.
وذكر محمود أن بعض الأسواق في نيالا أصبحت بمثابة بنوك، نظرًا لحجم السيولة المخزنة في المتاجر، بالإضافة إلى الكتلة النقدية التي جرى تخزينها في المنازل.
نقل النقود إلى مناطق التعدين
تشهد مناطق تعدين الذهب في بلدة سنقو، أقصى جنوب مدينة نيالا، وفرة في السيولة النقدية دون غيرها من مناطق ومدن دارفور.
وقال ثلاثة معدِّنين لـ«دارفور24» إن السيولة النقدية «الكاش» متوافرة في أسواق التعدين في سنقو ومنطقة بور في دولة جنوب السودان.
وأضافوا أن التحويلات المالية عبر تطبيق «بنكك» من مناطق التعدين إلى مدينة نيالا وبقية المناطق تتم من دون نسبة.
وأشاروا إلى وصول كتلة نقدية كبيرة إلى مناطق التعدين ما بين نوفمبر وديسمبر 2025 وحتى مايو من العام الجاري.
وذكروا أنهم شاهدوا خلال شهري يوليو وأغسطس مرور 10 سيارات دفع رباعي بمنجم أغبش محمّلة بالنقود، متجهة نحو منطقة «ببا» بدولة أفريقيا الوسطى على الحدود السودانية وجنوب السودان، وقالوا إنهم تعرفوا على ذلك من خلال رؤيتهم لتلك الأموال خلال إعادة تنظيمها وتقييدها بالحبال داخل تلك السيارات.
قرارات تنظيم حركة النقود
أصدر رئيس الوزراء في حكومة «تأسيس» عددًا من القرارات المتعلقة بتنظيم حركة الكتلة النقدية، من تعيين محافظ لبنك السودان وإنشاء مجلس للعملة، إلى قرار حظر التعامل بالفئات النقدية التي تحمل توقيع محافظ بنك السودان المركزي الخاضع لسيطرة الجيش، برعي الصديق، بعد يونيو 2024.
وبحسب سكان محليين، فإن هذا القرار لم يُطبَّق على أرض الواقع.
وسبق أن حظرت قوات الدعم السريع التعامل بالجنيه السوداني المطبوع حديثًا في مناطق سيطرة الحكومة الخاضعة لسيطرة الجيش، واكتفت بالتعامل بالعملة القديمة السابقة لاندلاع الحرب.
ولمعالجة أزمة السيولة النقدية، لجأت السلطات في مناطق سيطرة تحالف «تأسيس» إلى إنشاء «مصرف المستقبل» باعتباره نظامًا ماليًّا جديدًا، حيث ضخت كميات كبيرة من النقود الجديدة بتوقيع المحافظ حسين جنقول، لكنها تواجه اتهامات بالوقوف خلف تجفيف السيولة من الأسواق واحتكار الكتلة النقدية، إلى جانب القرارات التي اتخذتها السلطات باعتقال أصحاب مراكز التحويلات المالية والتضييق عليهم وتوحيد سعر الصرف، وكلها كانت في صالح مصرف المستقبل وتصب في محاربة تطبيق «بنكك» على مستوى ولايات دارفور وأجزاء من كردفان.
وبالمقابل، نفى مصدر في الأمن الاقتصادي بقوات الدعم السريع لـ«دارفور24» أن تكون الحملات الأمنية ضد أصحاب مراكز التحويلات المالية بغرض محاربة تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم.
وبيَّن أن تلك الإجراءات تهدف إلى تطبيق قرار توحيد قيمة البدل والكاش.
ولم تردّ إدارة مصرف المستقبل بنيالا على «دارفور24» بشأن تلك الاتهامات، لكن مواطنين أكدوا أن هناك إقبالًا كبيرًا على فتح الحسابات لدى المصرف خلال الفترة الحالية، حيث جرى توزيع نحو 50 استمارة يوميًّا، بفرض رسوم قدرها 20 ألف للاستمارة الواحدة.
وتظل أزمة السيولة النقدية وانقسام النظام المالي بين مناطق طرفي الصراع واحدة من تداعيات تطاول أمد الحرب الدائرة منذ 15 أبريل 2023.
