الشاعر و الصحفي مامون التلب، تصوير عصام عبدالحفيظ

 

 

كتب:مأمون التلب*

بالنظر إلى مآلات حربنا في السودان اليوم، فقد انتهت منذ زمنٍ بعيد، وخسر فيها الجميع ولم يَنتصر أحد، لكن أهدافها المُعلنة تحققت: الإبادة الجماعية لشعوب السودان، هذه الكلمة التي يتحاشى العالم استخدامها لأسبابٍ سنأتي على ذكرها. “انتهت حربنا” بمعنى خروجها من مسرح حروب العالم مرةً واحدةً وربما إلى الأبد، بعد أن تسيّدت “حرب مضيق هُرمز” مسرح الصراع العالميّ الخفي والمستمرّ منذ عقود؛ فما نراه اليوم يُشبهُ مهرجاناً مسرحيّاً مُستمرَّاً بلا انقطاع، وعنوانه: “مُباشر”، حيثُ تُنقلُ مسرحيّاتُ الحرب وقادتها الرجال على الهواء مباشرةً، من كلّ بقاع الأرض وبصورةٍ يوميّة مُهينة، وبسرعةٍ فائقةِ الخَراقة على الشاشات الصغيرة التي نحملها في أيدينا.كان دافعي للكتابة، بعد بداية حربنا، هو مُحاولة الإشارة إلى الخاسر الحقيقيّ دائماً: الأطفال والنساء؛ فإصاباتهن وإصاباتهم تكونُ دائمة، تُحملن معهن ومعهم طوال العُمر. عندما يكونُ القتلُ جزءاً يوميّاً من حياة كائنٍ بشريّ جديد، طفل، فذلك مُستقبلٌ طويل الأمد خُرِّب لأبعد الحدود ودُمِّر. وبالنسبة لسلاح الاغتصاب -المملوك بالميلاد لمليشيا الجنجويد منذ 2003، وحتى عندما أصبحت بحكم الأمر الواقع قوات الدعم السريع- فهو قتلٌ مُستمرّ لن نستطيع تصوّره ولا التعبير عنه.
إذن، لماذا توقّفتُ عن الكتابة؟ أو قلّلتُ منها، ككثيرين غيري، وغاب صوت السلام الذي كان علينا تمثيله، وهو في تفسيري مَبحث دارفور24 الذي نكتب عنه الآن. لنبدأ بالواقعيّات.

(1)
في ظلّ غيابنا التّام عن مسرح العالم، يبدو أن أصوات الحرب تحقق انتصارات يوميّة وتحوز أراضي جديدة، وتستمرّ في التمثيل بجثّة السودان الهامدة، إلا أن المقاومة حادثة والجهد مبذول، ويتجلَّى ذلك بوضوح في مشهدنا التضامني والفنّي والثقافي والموسيقي والتشكيلي، ذلك خطابٌ في السلام يُدرَّس في المستقبل. وهنالك مجهود صحفي وتوثيقي وكتابي هائل من جانب السودانيّات والسودانيين في شأن الحرب، وفي الأثناء ابتُكرَت حتّى أشكال وقوالب صحفيّة وكتابية وتوثيقيّة جديدة، تتلائم مع الارتباطات التاريخيّة والتراكميّة المعقّدة للحروب السودانيّة الممتدة لأكثر من نصف قرن، وتسير في حقل ملغوم بالاتهامات والتخوين والتحيّزات الصارخة البروباغاندا. هذا ليس بغريب على الوسط الصحفي السوداني، ولمعان نجم الصحافة السودانيّة عالميّاً، حتى بحساب الجوائز، الفرديّة والجماعيّة والنقابيّة. وكان ذلك مُتوقّعاً بالنسبة لي على الأقل، وذلك لما رأيته بعملي بينهم طوال 20 سنة من عمري، ولن أدخل هنا في التعداد ولا التمثيل. هذا الجهد يُشعرني بالاطمئنان على المستقبل، من حيثُ الأنظار القارئة لكلّ هذه الأعمال التي تعكس التوحّش العالمي بالتفصيل الممل، في حربٍ شاركت في خلقها “القوى العالمية” جميعها، بلا استثناء.
وعلى أرض الواقع، لا أرى أن من مُغيِّرٍ في اتجاه السلام وحماية الناس سوى مجموعات غرف الطوارئ والمطابخ والممراضات والممرضين، الطبيبات والأطباء. وفي الأساس، أي في جذر حفظ الحياة، كانت المقاومة، كما هو الحال دائماً، بيد النساء السائرات ما بين المدن والقرى والبلدان، بأقدامهنّ، يحملن أكبر قدرٍ من الأطفال الأحياء على ظهورهن وبأكفهنّ.
في كل هذه الجهود يكمن خطاب السلام الغائب، والذي لا نسمع صوته وسط صرخات خطب الحرب، و”لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”؛ ماذا جنينا من ثورتنا ومن حربنا؟

(2)
عندما كانت حكومة ثورة ديسمبر تصرخ بأعلى صوتها، وفي ركبهم “أيقونات الثورة”، تُطالبُ بالعودة إلى عائلة العالم ونظام العالم وأحضانه، وعلى حدِّ تعبيرهم: “بعد غيابٍ استمرَّ ثلاثين عاماً من حكم الجبهة القومية الإسلامية”؛ أتذكّر أنني ابتسمتُ داخليّاً. لقد حدث ورأيت هذا العالم الذي يُريدون العودة إليه -من أين؟ من الكهف؟ ولأجل ماذا فعلاً؟
في خروجهم الكبير بعد حرب 15 أبريل 2023، صُدِمَ السودانيّون بقسوة العالم لأوّل مرةٍ في حياتهم، وكذلك اكتشفوا الحياة المُعاصِرة كما هي، في حقيقتها وطبيعتها، في العالم الذي عادوا إليه مُجبَرين بيدِ الحربِ وشديدها. المُفارقة أنهم دفعوا ديون خراقة الإسلاميين على داير الملّيم لإمبراطوريّة العالم الحاليّة: ولاياتنا المُتّحدة الأمريكيَّة، قبل أن ترفع عنّا عقوباتها الهائلة، ولكن، هل كانت عقوبات؟ أم تجربةً فريدةً لم يُعايشها شعبٌ في العالم؟ وأرضٌ مُنحت الفرصة لتعيش حياتها بمعزلٍ عن شرور العالم وآلياته المُدمِّرة؟ هل نجَا شعبٌ فعلاً من الرأسماليَّة النفسيّة والشخصيّة كما نجا السودانيّون؟ في هذه الغُربة المُحيِّرة، الحاملة لجُرثومة انعدام الهدف وإظلام المُستقبل، يجدُ الإنسانُ السودانيّ نفسهُ مواجِهاً لعالمٍ لا خبرةَ فعليَّة له به. لم يُخبروه، منذ نهايات ثمانينيات القرن الماضي، أن البشريَّة صارت إلى عبادة المال. هذه العبادة المُبرَّرة تماماً، والتي تجدُ لنفسها أساساً صَلباً في الواقع، بجميع تجليّاتها، حتّى في الفن. نرى الجميع يذهبون ويعودون من البنك.

(3)
وحين استوينا على حقيقة وحدة الإنسانيّة، لم نجد أمامنا للنجاة من مصير انقراضنا كجنسٍ حيوانيٍّ طوَّر الحياة في الكوكب حتّى بلغ بها حدود هذه الوحدة الإنسانيّة، سوى الحروب والاستعمار والمجاعات والتدمير المُستمرّ، حيث أثبتت التجارب والديانات الأرضيّة والسماويّة، أننا كائنات تتعلَّم من الجحيم فقط، إذ يبلغ مستوى العَمى البشري حدَّ فقدان القدرة التّام على الشعور بالجنّة المحيطة بنا، ولَمسِها.
أقول، وها نحن قد استوينا، إن اللقاء الذي صُوِّرَ لنا، دراميّاً وأدبيّاً وفنيّاً وشعريّاً وموسيقيّاً، على أنّه أرقى لقاءٍ في الوجود؛ حيث يحتضن الإنسانُ أخاه الإنسان، باختلافاته كلّها دفعةً واحدة، مُمَثَّلة، مَثلاً، في أغاني الوحدة البشريّة مُتعدّدة المُغنِّين؛ هذا اللقاء لم يكُن سارّاً أبداً كما أُخبرنا به، لقد سارَ مثلما سارت جميع لقاءات الجموع البشريّة عبر التاريخ إلى أن وصلوا بنا عصر الحدود والأعلام بأناشيدها، حيث لا يُرى خلف الأقمشة والحدود المُخطِّطَة لأرضِ الإنسان -لقد امتلكها عنوةً واقتداراً- سوى أكوام “الشهداء” لأجل السيادة الوطنية المُوازية تماماً، بل المُحقِّقة الوحيدة لما سُيسمّونه بـ “الكرامة الوطنيّة”.
كان اللقاء تعيساً بكلّ ما تحمله الكلمة من معانٍ.

(4)
أُطلقت الرصاصة الأولى لهذه الحرب يوم فُضّ اعتصام القيادة العامة، ولن يستطيع أحد أن يُقنعني بغير ذلك. ومثّل فقد الصديقات والأصدقاء أثناء طريق الحرب إشارة واضحة إلى كون ما يحدث إبادة جماعية ليس للشعوب فقط، وإنما لقِيم إنسانيّة جمالية تمثّلت في شخصيات من فقدناهم في الطريق. لقد كان رحيل أستاذنا كمال الجزولي رسالة ساطعة، وانطوى عالمٌ وعصرٌ برحيل الحاجّة عواطف عطرون، وكانت الثورة ذاتها، في الوقتِ الذي كان العالم يُقسَّم فيه من جديد، حدثاً كارثيّاً بالنسبة للنظام الذي يَعمل بهمّة لدفن كلّ ما هو إنسانيّ والإصرار على صراحة القوَّة العاريّة والكذب الوقح!
وكما عبّرت الشاعرة نجلاء عثمان التوم، على صفحتها بفيسبوك في 9 نوفمبر 2024، بجلاء في حادثة قتل عناصر الدعم السريع للحاج عثمان حسان، بولاية الجزيرة أثناء سيطرتهم عليها، وهو مواطن سوداني لا ينتمي إلى أي طرف في هذه الحرب، قُتِلَ سمبله على أيديهم دون أن يدروا من هو أو حتى مدى خطره عليهم وهو المواطن الأعزل: [هذا العنف لا يستهدف فقط إبادة الإنسان السوداني، بل إبادة وجهة نظره وطريقَتِهِ في فهم الوجود والعالم والله والإنسان والأرض والزرع والضرع. إن إنساناً مثل المرحوم الحاج عثمان حسان، الزاهد المحبّ للرسول، هو نموذج الإنسان الخارج على تعريفات السوق المفتوح. إنه ليس مُستَهلِكَاً، وليس سِلعَة، وليس مُحتَكِرَاً لوسائل الإنتاج. بينما كان مسموحاً للحاج عثمان في الماضي أن يكون خارجاً على السوق المفتوح، موجوداً على هوامِشِه، مُغفَلاً منسِيَّاً بحيث يُمكن له العيش زاهداً في الدنيا وسُوقها، يتتبَّع حلقات الذكر ويذهب في رحلات عِشق الرسول الروحية؛ لم يَعُد نمطُ حياته الآن مقبولاً أو مَسمُوحَاً به، لقد وَصَلت الرأسمالية الفاشية درجة من التوحّش لا تَسمَح بالتسامح مع هذه الجيوب الخارجة. يَجِب أن يخرج الحاج عثمان من حلقة الذكر ويدخل في السوق المفتوح بقوّة الإبادة الجماعية، يدخل السوق في شكل جثةٍ تتنحَّى لتُفسِح المجال للمشاريع الكبيرة. إنه سوء حظٍّ ليس إلا، فقد تَصَادَف أن الحاج عثمان الزاهد يعيش في أرضٍ شديدة الخصوبة، ومحاطاً بمصادر غنيّةٍ للمياه كفيلة بحلّ مشكلات الإقليم وإغلاق ملف الأمن الغذائي لملايين المستهلكين. وجود هذا الإنسان يُشَكِّل عقبةً في طريق استثمارات ملياريّة ومصالح ضخمة وموازين قوى ستُشَكِّل خريطة المستقبل الإقليمي والعالمي].

*شاعر وصحفي سوداني