كلمة – دارفور24

في زاوية صغيرة من منزلها الذي لا يتعدى مساحته بضع أمتار، تجلس النازحة في مخيم كلمة قرب نيالا بولاية جنوب دارفور، حواء إسحق (51 عامًا)، منكفئة على برش من السعف وهي تستمع إلى أخبار متواترة بإدانة علي كوشيب في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.

وتقول حواء، ودموعها منهمرة، لـ”دارفور24″ إن إدانة المحكمة الجنائية لكوشيب أعادت لها ذكريات الفواجع والمواجع التي ارتكبها قائد المليشيا في أغسطس من العام 2003، بقتله أكثر من 25 شخصًا في يوم واحد في غابة العوير، من بينهم عمدة بلدة دليج بولاية وسط دارفور، محمد سليمان.

وتشير إلى أن كوشيب ومجموعته أحرقوا القرية بالكامل.

وتضيف حنان، بنبرات صوت حزينة، أنها ظلت تكافح لمدة 23 يومًا ونزحت من منطقة إلى أخرى من أجل إيجاد ممر آمن تخرج فيه مع أطفالها الثلاثة، بعد أن أُغلقت كل الطرقات بواسطة المسلحين، إلى جانب طائرة الأنتنوف التي ظلت تسقط البراميل المتفجرة فوق رؤوسهم.

وأدانت الدائرة الابتدائية الأولى في المحكمة الجنائية، في 6 أكتوبر الجاري، علي كوشيب في 27 من أصل 31 اتهامًا بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، شملت القتل، والتعذيب، والاضطهاد، والاعتداء على الكرامة الإنسانية وقعت في مناطق مكجر ودليج وبنديسي وكدوم بين عامي 2003 و2004.

وذكرت المحكمة أن كوشيب مذنب بصفته شريكًا مع قوات الجنجويد أو قوات حكومية في السودان في ارتكاب جريمة القتل والتعذيب ضد ما لا يقل عن 200 أسير ومعتقل خلال العمليات العسكرية.

وتُعد هذه أول محاكمة في الجرائم التي وقعت في إقليم دارفور غربي البلاد، بعد مرور عقدين على اندلاع النزاع الأهلي.

وتمثل هذه الإدانة لحظة تاريخية فارقة لضحايا الحرب في مخيمات اللجوء والنزوح في دارفور، الذين انتظروا تحقيق العدالة لأكثر من عقدين.

وكان كوشيب قد سلّم نفسه في يونيو 2020 للمحكمة الجنائية الدولية في منطقة حدودية بين دولتي السودان وأفريقيا الوسطى، وسبق أن تحدث مصدر لـ”دارفور24″ من مكتب المحكمة الجنائية الدولية في دولة أفريقيا الوسطى أن لقاءً تم الترتيب له بين المتهم آنذاك ووفد المحكمة.

ومن المنتظر أن تفرض المحكمة عقوبات ضد كوشيب في فبراير من العام القادم.

بداية مشوار العدالة

وتقول النازحة حواء إسحق، وهي إحدى الناجيات من أحداث دليج في العام 2003، لـ”دارفور24″ إن الحكم يمثل أملًا جديدًا لأسر الضحايا الذين انتظروا طويلًا أن تتحقق العدالة والإنصاف.

وتضيف حنان، بصوت متقطع، أنها فقدت 13 شخصًا من أسرتها دون أن تعرف مكانهم حتى الآن، أحياء أم أموات.

وفي السياق، أشاد المنسق العام للاجئين والنازحين في دارفور، يعقوب محمد عبد الله فوري، بإدانة علي كوشيب في المحكمة الجنائية الدولية، معتبرًا ذلك بداية المشوار نحو تحقيق العدالة الشاملة وإنصاف الضحايا.

وطالب فوري بتسليم كل من عمر البشير، وأحمد هارون، وعبد الرحيم محمد حسين، ومثولهم أمام المحكمة الجنائية، باعتبارهم من وجّهوا ودعموا تلك المليشيات لارتكاب تلك الجرائم، داعيًا المنظمات الدولية إلى الضغط لتحقيق ذلك.

وشدد على أن الإفلات من العقاب هو تشجيع للمزيد من ارتكاب الجرائم ضد الأبرياء.

وذكر فوري أن التستر عليهم من قبل آخرين وعدم تسليمهم يعتبر مشاركة في الجرائم المرتكبة، ويجب إصدار أوامر قبض ضدهم، مؤكدًا أنهم كانوا على ثقة بأن تتم محاكمة المتهمين في جرائم دارفور ذات يوم.

وأُحيل ملف دارفور من مجلس الأمن الدولي في مارس من العام 2005، بموجب القرار 1593، وهو أول من نوعه للمحكمة منذ تأسيسها عام 2002.

وفي العام 2007، أصدر المدعي العام للمحكمة مذكرات توقيف بحق علي كوشيب وأحمد هارون، ثم لاحقًا بحق الرئيس المخلوع عمر البشير ووزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين، إضافة إلى أحمد هارون الذي شغل مناصب عديدة في حقبة النظام السابق، منها وزير الدولة بوزارة الداخلية.