تقرير – دارفور24
“نحن لسنا بخير بسبب التوترات الأمنية، وكمزارعين لا نستطيع حماية رأس ذرة واحدة”. بهذه الكلمات يصف مزارع من إقليم دارفور واقع المزارعين في ظل التعديات والعنف المرتبط بالصراع بين الرعاة والمزارعين، في وقت تتكرر فيه مؤتمرات الصلح والاتفاقيات بين الطرفين من حين إلى آخر.
ويثير استمرار التوترات تساؤلات حول مدى قدرة مؤتمرات الصلح على معالجة جذور النزاع وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المحلية، وصولاً إلى تأسيس تعايش سلمي مستدام، في ظل سنوات من النزاعات التي أثقلت كاهل سكان دارفور.
أعراف وتقاليد راسخة
يقول الرشيد الله جابو، مدير عام وزارة الزراعة بولاية وسط دارفور، لـ”دارفور24″، إن هناك تقاليد وعادات راسخة على مستوى الإقليم لحل النزاعات بين الرعاة والمزارعين عبر الإدارات الأهلية.
ويشير إلى وجود اهتمام من السلطات المحلية بالموسم الزراعي الحالي، تمثلفي تخصيص سيارات قتالية لحماية الموسم الزراعي. ويستبعد الله جابو وقوع صراع قبلي في دارفور، قائلاً إن من كانوا يمولون الصراعات ويغذونها لم تعد لديهم القدرة على فعل ذلك.
ويرى أن الصراع بين الرعاة والمزارعين في دارفور يمكن حله إذا جرى تطبيق نموذج ولاية وسط دارفور.
ويشير إلى أن مؤتمر فاتنا كر الذي عُقد في ولاية وسط دارفور خلال الفترة الماضية، خلص ضمن توصياته إلى عدم إغلاق المراحل والمسارات من قبل المزارعين، مقابل التزام الرعاة بعدم التعدي على المزارع، فضلاً عن أهمية الإرشاد الجيد من وزارتي الزراعة والثروة الحيوانية لتوعية الرعاة.
استغلال الحكومات للرعاة
ويقول الله جابو إن الحكومات المتعاقبة، قبل اتفاقية جوبا، كانت تستغل الرعاة كمقاتلين، في محاولة لصناعة الفرقة بين الرعاة والمزارعين، إلى أن وصل الأمر إلى مرحلة تحديد من هم الرعاة ومن هم المزارعون على أساس الانتماءات الإثنية والقبلية في دارفور.
وبحسب الله جابو، ورغم التقدم والتطور، لا تزال ملكية الأراضي في دارفور تعود إلى القبائل.
ويذكر أن الاتفاقيات التي شهدها تاريخ السودان تتحدث عن ملكية الأراضي، باعتبار أنها ليست مملوكة للدولة، وإنما تعود ملكيتها تاريخياً إلى القبائل، مع إتاحة الانتفاع بها للجميع، وعدم منع إقامة المشاريع القومية عليها.
مخاوف من فشل الموسم الزراعي
ويعبر الله جابو عن مخاوفه من سيناريو فشل الموسم الزراعي لهذا العام، الأمر الذي قد يجعل البلاد أكثر عرضة لتلقي المعونات من المنظمات.
لكنه يستدرك بالقول إن الفجوة يمكن سدها، إذا توفرت الجدية اللازمة، من خلال زراعة محصول القمح في فصل الشتاء، بعدما أثبتت التجربة نجاحها في وسط دارفور.
ويرى النور أحمد، المتخصص في الشأن الزراعي، في حديث لـ”دارفور24″، أن خلفية الصراع بين الرعاة والمزارعين تاريخية، وكانت تُدار عبر منظومة الإدارات الأهلية، ولم يكن لها تأثير يذكر.
لكن الصراع، بحسب النور، تصاعد بصورة أكبر مع حرب أبريل، ودخل مرحلة جديدة بفعل التغير المناخي الذي أدى إلى الجفاف والتصحر، ما دفع الرعاة إلى التحرك من الشمال إلى الجنوب في مناطق شمال دارفور، وهو ما قد يؤدي إلى احتكاكات بين الرعاة والمزارعين.
تسييس الإدارة الأهلية
ويشير النور إلى أن من أسباب تفاقم الصراع تسييس الإدارة الأهلية وتسليحها من قبل الحكومة لمحاربة الحركات المسلحة في دارفور.
ويضيف أن الصراع بين الرعاة والمزارعين أصبح إثنياً وسياسياً، ومحميّاً بالبندقية.
كما يوضح أن التوسع الزراعي ودخول الآليات في العملية الزراعية بصورة غير منظمة، إلى جانب التصديق على مساحات واسعة على حساب المراعي، أسهما في تفاقم النزاعات بين الطرفين.
ويرى النور أن الأحداث التي أعقبت حرب 15 أبريل غيّرت طبيعة الصراع، فلم يعد مجرد نزاع بين راعٍ ومزارع، بل امتد إلى استقطاب عسكري حاد انعكس على الرعاة والمزارعين.
ويلفت إلى وجود قضايا أساسية لا تجد حظها من النقاش، رغم أنها تمثل، بحسب رأيه، السبب الرئيسي للاحتكاك بين الراعي والمزارع، ويتمثل أبرزها في زيادة الضغط على الأرض مقابل زيادة أعداد السكان والاحتياجات المرتبطة بها.
ويقترح النور أن يكون التخطيط السليم قائماً على استقرار الرحل وخلق مشاريع مشتركة تجمع بين الرعاة والمزارعين.
ويعتبر النور أن فتح المسارات والمراحيل، وتكوين لجان الموسم الزراعي، ومراقبة التغير المناخي، إلى جانب تحديات مواعيد الطلقة، من أهم المؤشرات التي يمكن أن تحدد نجاح الموسم الزراعي.
توقف التمويل الزراعي
وفي المقابل، يقول أحد المزارعين لـ”دارفور24″ إن المزارعين في دارفور أصبحوا يواجهون تحديات متزايدة من قبل الرعاة.
ويشير إلى أن الراعي لا يهتم كثيراً بالبذور التي تُزرع في الأرض، ويعتبرها نوعاً من الحشائش، وهو ما يزيد من الاحتكاكات بين الطرفين.
ويضيف أن المزارعين في دارفور يفتقدون التمويل الزراعي، إلى جانب ضعف أسعار المحاصيل عند تسويقها، ما يزيد من الضغوط التي تواجه العملية الزراعية.
وبينما تتكرر مؤتمرات الصلح بين الرعاة والمزارعين، تظل قدرة هذه الاتفاقيات على الانتقال من التوصيات إلى التنفيذ مرتبطة، وفق الإفادات الواردة في التقرير، بفتح المسارات والمراحيل، وحماية الأراضي الزراعية والمراعي، ومعالجة قضايا ملكية الأرض، وتعزيز دور الإدارات الأهلية، إلى جانب توفير التمويل والإرشاد الزراعي.
