نصر الدين عبد القادر*
هذا ليس كتاباً يقرأه المرء للتسلية والترفيه، وإنْ كانت لغته الأدبية وتقنيته السردية تستدرجان المتعة والدهشة معاً، رغم ثقل المأساة التي يتناولها. إنه كتاب كتبه صاحبه ببصر القصّاص، وبصيرة الصحفي الذي يلاحق تفاصيل الأحداث، وبذاكرة من عاش الوقائع ولم يكتفِ بالنظر إليها من بعيد، لذلك عنونه صاحبه بـ “قصتي”، رغم أنها قصتنا جميعاً لكنه هو المُعايش لها لحظة بلحظة، المتتبع لآثارها في القديم من تاريخنا. يعرض الكاتب في هذه المقالة ما عَنَّ له من خلال قراءة كتاب «قصتي مع أسوأ كارثة في العالم» للصحفي محمود الشين، وهو يكتب عن أبعاد حرب دارفور التي بدأت شرارتها في العام 2003.
في “قصتي مع أسوأ كارثة في العالم”، الصادر في كمبالا عام 2024، يَستعيد الصحفي السوداني محمود الشين جانباً من مأساة إقليم دارفور، مُستنداً إلى تجربته في متابعة الأحداث من الميدان، وإلى ما جمعه من شهادات ووثائق ووقائع ليقدّم شهادات حية من عمق الصراع على واحدة من أكثر مراحل تاريخنا تعقيداً.
لكن قيمة الكتاب، في تقديري، لا تكمن في كونه وثيقة عن الصراع في دارفور فحسب، بل في الأسئلة التي يتركها معلقة أمام القارئ: كيف يتحول التهميش إلى تمرد، والتمرد إلى حرب، والحرب إلى ذاكرة جمعية مثقلة بالمرارات؟ ومن يملك حق رواية المأساة؟ وهل تستطيع الثقافة، بعد أن استُخدمت أحياناً وقوداً للحرب، أن تصبح إحدى أدوات الخروج منها؟
من هنا تبدو لي قراءة الكتاب مدخلاً إلى مفهوم أوسع يتمثل في ما يُمكن أن نسميه “العدالة السردية”؛ أي إعادة الاعتبار إلى تعدد الأصوات التي صنعت المأساة وعاشتها، بدل ترك رواية واحدة تستأثر بحق تفسيرها، وهو ما فعله الكتاب، بل يمكنني القول مطمئناً إنّ هذا العمل ربما يمثل طريقاً يمكننا البدء منه السير إلى هندسة خارطةٍ للغفران الثقافي والاجتماعي.
حين بدأ الجرح
تبدأ حكاية الكِتاب من الفندق الكبير في طرابلس الليبية، حيث انعقد أحد اللقاءات التي جمعت فرقاء سودانيين في محاولة للبحث عن مخرج لأزمة دارفور، في ظل الوساطة الليبية آنذاك في العام 2005م.
ومن طرابلس يعود الكاتب بذاكرته إلى سنوات أسبق، إلى تسعينيات القرن الماضي، حين حمل داؤود يحيى بولاد السلاح، بعد أن كان واحداً من أبناء الحركة الإسلامية، ثم انتهى به الأمر إلى مواجهة رفاق الأمس. وفي هذه المفارقة وحدها تكمن إحدى المآسي السودانية الكبرى: أن يتحول رفاق الجامعة والتنظيم إلى خصوم في ميدان الحرب، وأن تصبح الانتماءات السياسية أقوى من روابط المكان والذاكرة، وكأنما بالأمر لعنة سلطة.
ثم تتسع الدائرة لتشمل بدايات الحركات المسلحة في دارفور، وأسماء برزت في المشهد بداية الألفية الثانية منها قائد حركة تحرير دارفور عبد الله أبكر، والمحامي عبد الواحد محمد نور الذي اختير رئيساً للحركة، ومني أركو مناوي أمينها العام. وتلك المجموعة الصغيرة التي لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى جزء من أحد أهم فصول التاريخ السوداني الحديث.
لكن ما يلفت النظر في سرد الشين ليس حجم القوة في بدايتها، وإنما حجم المشكلة التي كانت تقف خلفها.
فمطالب التنمية والخدمات، كما يعرضها الكتاب، لم تكن في أصلها شيئاً خارج وظيفة الدولة: مستشفيات، مدارس، مياه، وتنمية يشعر معها المواطن بأنه جزء من وطنه وليس طرفاً فائضاً عنه. وهنا يصبح السؤال أكبر من دارفور: ماذا يحدث عندما تعجز الدولة عن تحويل المطالب السياسية والاجتماعية إلى حوار، فتتعامل معها باعتبارها تهديداً أمنياً؟
كان يمكن لمطالب صغيرة، أن تُعالج بأدوات السياسة والتنمية؛ لكن حين دخل السلاح إلى المعادلة، لم تعد القضية قضية خدمات، بل أصبحت قضية دم وذاكرة وتهجير وثأر. وهكذا يتحول الفشل في إدارة أزمة محدودة إلى أزمة وطن بأكمله.
من يملك حق رواية الحرب؟
كان محمود الشين صحفياً في قلب تلك الأحداث. ترك الخرطوم واتجه إلى دارفور، وحاول أن ينقل ما يراه من الميدان. لكن الصحافة في ظل الرقابة لا تكون دائماً مرآة لما يحدث؛ إذ يمكن للسلطة أن تحاول رسم رواية واحدة للأحداث، بحيث يصبح المتمرد “مرتزقاً”، ويصبح الطرف الآخر “حامي الوطن”، وهكذا تختفي المنطقة الرمادية التي يسكنها البشر الحقيقيون.
وهنا تكمن أهمية شهادة الشاهد. فالصحفي الذي يرى الحدث لا يملك بالضرورة الحقيقة كلها، لكنه يستطيع أن يمنع – على الأقل – الحقيقة الرسمية من أن تصبح هي الحقيقة الوحيدة. وهذا هو أحد أهم أوجه قيمة الكتاب: أنه يستعيد الذاكرة من موقع الشاهد، ويضع أمام القارئ وقائع وشخصيات ومسارات قد لا تظهر في الرواية السياسية المختصرة، لكن الشهادة، مهما بلغت أهميتها، لا تكتمل إلا بتعدد الأصوات. وفي الكتاب تعدد مثير لتلك الأصوات، بل إنه يستدل بكتابات سابقة عن مشكلة دارفور ويضعها أمام القارئ دون تدخل ليترك لنا المقاربة والمقارنة واستنتاج الحقائق. فالحرب لا يصنعها طرف واحد، والضحايا لا ينتمون إلى جهة واحدة، والذاكرة التي تستحق أن تُحفظ ليست ذاكرة المنتصر أو المهزوم وحده، وإنما ذاكرة المجتمع بكل تناقضاته. ومن هنا تصبح العدالة السردية شرطاً أولياً لأي محاولة جادة لفهم الحرب.
“الجوع ما بخليهم يتمردوا”
من أكثر العبارات التي تستوقف القارئ في الكتاب ما ينقله الشين عن علي عثمان محمد طه، النائب الأول للرئيس السابق آنذاك، بشأن دارفور: “أهل دارفور الجوع ما بخليهم يتمردوا”، وهي شهادة ذكرها الكاتب على لسان واحد من قيادات الحركة الإسلامية كانت في اجتماع رفيع ضم نائب الرئيس وقتها. وبعيداً عن سياق العبارة وظروفها، فإنها تكشف، كما يقدمها الكتاب، عن مسافة نفسية وسياسية بين مركز الدولة وأحد أقاليمها. فالدولة التي تنظر إلى مواطنيها بوصفهم كتلة بعيدة يمكن إخضاعها بالجوع أو الأمن، تفقد شيئاً أساسياً من معنى المواطنة. ودارفور، في المقابل، ليست أرضاً بلا ذاكرة. إنها منطقة ذات تاريخ سياسي وثقافي عميق، عرفت السلطنة والدولة والحرب والمقاومة، واحتفظت بمجتمعات وثقافات متعددة. وبهذا فإنه من الخطأ أن يُنظر إلى التنوع السوداني باعتباره مشكلة ينبغي التخلص منها؛ المشكلة الحقيقية هي عجز السياسة عن إدارة هذا التنوع وتحويله إلى مصدر قوة ومشتركات.
ولعل المأساة السودانية الأوسع أن الدرس لم يُتعلَّم في الوقت المناسب، وأن ما بدأ في دارفور تمدد لاحقاً إلى مناطق أخرى من السودان، حتى صار السؤال اليوم لا يتعلق بإقليم واحد، وإنما بمصير وطن كامل.
الغربان التي رآها الشين
في طرابلس، يرى الكاتب الغربان، فيستدعي إلى ذاكرته بورتسودان، ويشعر بالخوف على ملف دارفور من “الغربان” المحلقة حوله. قد تبدو الصورة لأول وهلة استعارة أدبية، لكنها تصبح أكثر دلالة حين نرى كيف تداخلت المصالح الإقليمية مع الأزمة السودانية.
هنا إذن، يمضي الكتاب في رصد لحظة سياسية تحوَّلت فيها قضية دارفور من شأن داخلي إلى ملف تتقاطع حوله مصالح دول وقوى مختلفة. وفي تلك المساحة بين المحلي والإقليمي، تصبح القضية أكثر تعقيداً، وتصبح الحركات نفسها عرضة للانقسام. ومن أكثر المفارقات إيلاماً في هذا السياق انقسام حركة تحرير السودان بين جناحي عبد الواحد محمد نور ومني أركو مناوي.
كان يمكن أن يكون الاختلاف وسيلة لتعدد الرؤى، لكنه تحول إلى انقسام في القوة والاتجاه، حتى بدا المشروع نفسه وكأنه فقد جناحيه. وهنا تظهر إحدى المآسي المتكررة في التاريخ السوداني: الأفكار التي تبدأ بوصفها مشروعاً عاماً قد تستهلكها صراعات الأشخاص والتنظيمات قبل أن تصل إلى غاياتها. والثمن في النهاية لا يدفعه القادة وحدهم، بل يدفعه الناس الذين ينتظرون منذ سنوات أن تعود إليهم فكرة الوطن.
“بلدنا طاردة وما فيها مستقبل”
ربما تكون هذه العبارة القصيرة التي ينقلها الشين عن شاب من دارفور وهو من آلاف الشباب الذين هاجروا إلى ليبيا والتقاه عند أسفل كوبري بالقرب من الفندق الكبير حيث جاء لملاقاة رفاق وأصدقاء وصلوا طرابلس لإيجاد حل للمشكلة التي جعلته مشرداً بعيداً عن وطنه، فسأله: ما الذي جاء بك إلى ليبيا في هذا العمر؟ فكانت الإجابة الصادمة: “بلدنا طاردة وما فيها مستقبل”؛ فتختصر العبارة مأساة لا تستطيع الأرقام وحدها أن تشرحها.
ومن جانب آخر يذكر الشين في كتابه قصة شباب ولدوا في مخيم نزوح، وكبروا هناك، وهم لا يعرفون من الوطن إلا صورته الغائبة، وهنا نرى أن الحرب لا تقتل الحاضر فقط؛ إنها تعيد تشكيل المستقبل. وهؤلاء الأطفال ليسوا مجرد أرقام في تقارير النزوح؛ إنهم جيل كامل يحمل ذاكرة لم يخترها، ويكبر داخل روايات متناقضة عن الوطن والعدو والحق والظلم. ولهذا فإن أي تسوية سياسية لا تنظر إلى هذا الجيل، ولا تسأل كيف يمكن إعادة إحساسه بالانتماء، تظل تسوية ناقصة مهما كانت نصوصها محكمة.
بين السلام والثقافة
هنا يصل الكتاب إلى أكثر المناطق أهمية: الثقافة. إن دارفور ليست مجرد جغرافيا سياسية، وإنما فضاء غني بالتنوع الثقافي والإثني واللغوي، وكانت الأغنية والشعر والحكاية والحكامة والتراث الشعبي جزءاً أصيلاً من الحياة الاجتماعية. وقد استُخدمت الثقافة في الحرب كما استُخدمت السياسة والسلاح. يقول الشين إن الموروث الثقافي المُنتَج في دارفور كان بمثابة الوقود الذي حرَّك الثورة والثوار، وإن غياب البحث في هذا المجال جعل من الصعب فهم الطاقة الخفية التي دفعت آلاف الشباب إلى ساحات القتال.
وهذه ملاحظة بالغة الأهمية. فالمجتمع لا يدخل الحرب بالسلاح وحده، إنما يدخلها أيضاً بالكلمات والصور والأغاني والرموز والذاكرة. ولهذا يمكن للثقافة أن تكون أداة تعبئة، لكنها تستطيع أيضاً أن تكون أداة تفكيك للكراهية. وقد عبّر عن ذلك المثقف آدم عبد الكريم دقاش، وكان يشغل منصب أمين عام وزارة الثقافة والإعلام بولاية جنوب دارفور، فأورد الكاتب قوله نصاً: “إذا ما أتيحت الفرصة للمشتغلين في الحقل الثقافي، لوجدوا حلاً لقضية دارفور يُرضي جميع الأطراف، لأن شريحة المثقفين لا يمكن أن يجمعوا يوماً أو يصدروا أمراً بقتل أحد، لكن الساسة يفعلون”.
كان هذا آخر ما تفوه به الرجل وهو في منصبه، إذ أُعفي في اليوم التالي، لأن أصوات الرصاص كانت أكثر صخباً، ودعاة الموت والخراب أعلى صوتاً. هذه الفكرة، في رأيي، تستحق أكثر من التوقف العابر: الساسة يستطيعون توقيع اتفاقيات، والعسكريون يستطيعون توقيع وقف إطلاق النار، لكن السلام الذي لا يدخل الوجدان يظل هدنة قابلة للانهيار.
وإذا صحت العبارة التي ينقلها الكتاب عن أحد المسؤولين: “الثقافة ليست من أولوياتي”، فإنها تلخص، بصورة مؤلمة، إحدى مشكلات الدولة السودانية. فحين تُعامل الثقافة باعتبارها ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب، نكون قد أخطأنا فهم طبيعة الحرب نفسها. لهذا فإن إغلاق منتدى ثقافي أو إضعاف النشاط الثقافي لا يبدو في هذا السياق أمراً هامشياً، إنما جزءٌ من إهمال المجال الذي يمكن أن تُبنى فيه اللغة المشتركة. لقد طورد دقاش وأغلق منتداه الثقافي بحجة أنه يمكن أن يشع منه التنوير والثقافة، بحسب ما ورد في الكتاب. وحتى تجربة الانتقال السياسي لم تخرج تماماً من هذا التصور حين قيل، في مواجهة أنشطة ثقافية، إن الأولوية للسلام وإن ميزانية الثقافة محدودة. لكن السؤال الحقيقي هو: كيف نبني السلام بلا ثقافة؟ إن الثقافة ليست مرحلة تالية للسلام؛ إنها أحد شروطه.
أصوات الضحايا
لعل السؤال الأهم الذي يتركه الكتاب ليس هو: من كان على حق؟ فهذا السؤال، على أهميته، قد يعيدنا إلى الخنادق ذاتها. إن السؤال الأعمق في تقديري هو: كيف نروي ما حدث بحيث يستطيع الذين عاشوه أن يواصلوا العيش معاً؟
أن تُسمع أصوات الضحايا، وأن تُراجع روايات السلطة، وأن تُقرأ شهادات المقاتلين والمدنيين، وأن نعرف كيف يرى الراعي الحرب كما يراها المزارع، وكيف تراها المرأة التي فقدت بيتها، والطفل الذي وُلد في المعسكر، والمثقف الذي حاول أن يمنع الكراهية من أن تتحول إلى قدر.
في كتاب الشين، يحاول الكاتب أن يعيد إلى عالمنا بعض الأصوات التي كادت الحرب أن تطمسها. ولعل الأدب، في أعمق وظائفه، ليس أن يخبرنا من هو المذنب فقط، وإنما أن يجعلنا قادرين على رؤية الإنسان الذي يقف خلف الاسم والصفة والموقف.
إن كتاب “قصتي مع أسوأ كارثة في العالم” لا يغلق جرح دارفور، وربما لا يستطيع كتاب واحد أن يفعل ذلك، لكنه يفتح الجرح أمام الضوء، وهذه بداية مهمة. فالجرح المغلق بلا علاج قد يبدو أقل إيلاماً، لكنه يظل ينخر الجسد من الداخل. أما مواجهته، والنظر إليه، ومعرفة كيف حدث، ومن دفع ثمنه، وما الذي جعل تكراره ممكناً، فهي الخطوة الأولى في طريق التعافي.
ولقد أثبتت التجربة السودانية أن تجاهل التنوع لا يلغيه، وأن إسكات الصوت لا يقتل الفكرة، وأن تأجيل الثقافة لا يجعلها أقل أهمية. والثقافة والآداب والفنون ليست زينة تأتي بعد اكتمال الوطن؛ إنها إحدى الأدوات التي يمكن بها إعادة تخيل الوطن أصلاً.
فإذا كان السودان قد ظل طويلاً تحت الهدم، فإن بناءه لا يحتاج إلى الخرسانة وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى بناء الذاكرة، وإعادة ترميم الثقة، وإيجاد لغة يستطيع المختلفون أن يتحدثوا بها دون أن يحمل أحدهم سكين الماضي في يده.
من هنا يُقرأ كتاب محمود الشين، ليس باعتباره الكلمة الأخيرة في قصة دارفور، ولا باعتباره الرواية الوحيدة التي ينبغي أن نستمع إليها، وإنما باعتباره شهادة تفتح الباب لشهادات أخرى، وتضع أمامنا سؤالاً أكبر من الكتاب نفسه: هل نستطيع أن نحول تعدد حكاياتنا من سبب للصراع إلى أساس للتعايش؟
ربما يكون الطريق طويلاً.
*قاص وصحفي ورئيس نادي القصة السوداني.
