تقرير – دارفور24
لا يقتصر توسع نطاق قطع الأشجار في إقليم دارفور غربي السودان على تدهور الوضع البيئي وفقدان خصوبة الأرض، وإنما يمتد إلى فقدان المراعي الطبيعية للماشية وزيادة مساحات الجفاف، مما يزيد مخاوف تكرار القتال بين الرعاة والمزارعين.
وظهرت آثار قطع الأشجار، لاستخدامه وقودًا للطهي ورواج تجارة الفحم النباتي، في الجفاف الذي أصاب مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في مناطق متفرقة من دارفور، وهو جفاف ليس بمعزل عن التغيرات المناخية.
وإزاء التدهور المتسارع في الغطاء الشجري، فتح بودكاست “دارفور24” مساحة لخبراء تحدثوا عن آثار قطع الأشجار على الإنسان والماشية والبيئة.
وقال الخبير البيئي بشرى حامد أحمد إن البيئة والطبيعة والنبات في دارفور تمثل أساس الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمواطن، كما أن الإقليم يُعد ثاني أكبر مصدر للثروة الحيوانية في السودان، وهي تعتمد بصورة أساسية على توفر المراعي والمياه والبيئة المناسبة.
وأشار بشرى إلى أن حزام الصمغ العربي في دارفور يشغل مساحة واسعة، دون أن تبذل الدولة جهودًا كافية لتطويره وزيادة الاستفادة منه في دعم المجتمعات المحلية المنتجة وتحسين دخولها من إنتاج الصمغ العربي، رغم أن “الشجرة والغابة والمياه هي معادلة الحياة بالنسبة لإنسان دارفور”.

وبيّن أن العديد من الدراسات ربطت بين حدوث مشكلات أمنية وزيادة التوترات في الإقليم وبين العوامل البيئية، خاصة الزحف الصحراوي والجفاف المتجه جنوبًا.
وانتقد بشرى ما وصفه بالفهم السائد في السودان تجاه قطع الأشجار، قائلًا إن هناك اعتقادًا عامًا بأن قطع الأشجار أمر مباح ولا يستوجب المساءلة، إلى جانب ضعف أدوات إنفاذ القانون، حتى لدى بعض المسؤولين عن تطبيقه، بحسب قوله.
وأوضح أن الاستراتيجيات التي وُضعت لمكافحة ظاهرة قطع الأشجار جاءت متأخرة ولم تُنفذ بالشكل المطلوب، فيما دفع النزوح الداخلي للسكان من منطقة إلى أخرى بعض النازحين إلى التوغل في مناطق الغابات وقطع الأشجار لتوفير احتياجات أسرهم المعيشية، في ظل غياب مصادر بديلة للدخل.
التغيرات المناخية
وقال بشرى حامد أحمد إن بعض الأشخاص فقدوا أموالهم بسبب الحرب، لكنهم حققوا أموالًا مضاعفة من قطع الأشجار، حيث أثروا ثراءً فاحشًا مقابل تدمير حياة ملايين الأشخاص، دون أن تنتبه السلطات إلى ذلك.
وأوضح أنه إذا جرى قطع 20 مليون فدان، وكان متوسط الاستثمار فيها ألف دولار للفدان سنويًا، فإن الخسارة ستصل إلى نحو 20 مليار دولار، معتبرًا أن هذه الأموال كان يمكن أن تغطي ميزانية الدولة، داعيًا إلى إدراج هذه الخسائر ضمن حسابات إعادة الإعمار والاستقرار في أي مفاوضات سلام مقبلة.
وحذر بشرى من أن ارتفاع درجات الحرارة لم يعد مسألة مؤقتة، بل أصبح ظاهرة مستديمة ما لم تتم استعادة الغطاء النباتي، موضحًا أن الغابات تؤدي دورًا في تثبيت التربة، وأن قطع الأشجار يعرضها للتعرية ونقلها بفعل الرياح، ما يؤدي إلى تفكك التربة وفقدان التنوع الحيوي فيها.
وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يُعد من نتائج تدهور الغطاء النباتي، مستشهدًا بمعلومات تفيد بأن زراعة مليون شجرة يمكن أن تسهم في خفض درجة الحرارة بدرجة مئوية واحدة.
وأكد أن التنوع الحيوي عنصر أساسي للحياة، حيث إن قطع الأشجار وإزالة الغابات يهددان هذا التنوع ويؤديان إلى اختفاء العديد من الحيوانات، مشيرًا إلى أن وجود الإنسان في أي بيئة يجب أن يكون قائمًا على التوازن وعدم الاعتداء على الموارد الطبيعية بما يفوق قدرة البيئة على التجدد.
وقال إن بعض المجتمعات بدأت تشعر بالتدهور البيئي بعدما أصبحت آثاره واضحة على حياتها، محذرًا من أن المكاسب المالية الناتجة عن قطع الأشجار لا يمكن مقارنتها بالخسائر التي تلحق بالمجتمع والحياة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.
غابات تتلاشى
وقال المهندس الزراعي أبوبكر يعقوب إن غابة كندوة في جنوب دارفور كانت من الغابات الكبيرة، كما كانت تُعد من المناطق السياحية، لكنها تلاشت بفعل القطع الجائر للأشجار بعد إنشاء مخيم كلمة للنازحين بالقرب منها، حيث لجأ النازحون إلى قطع الأشجار لاستخدامها حطبًا أو فحمًا.
وأوضح أن وسط دارفور فقدت كذلك غابة تقع شمال مدينة زالنجي، وكانت تضم أنواعًا متعددة من الأشجار، إلا أنها اختفت بسبب غياب القانون، ما أدى إلى قطعها بالكامل، بحسب قوله.

وكشف أبوبكر عن تصنيف دولة أفريقيا الوسطى كإحدى الدول المصدّرة للهشاب، رغم أنها لم تكن تمتلك في السابق أشجار هشاب، مشيرًا إلى أن صادراتها تعتمد على الهشاب القادم من غرب السودان، نظرًا لمجاورة أفريقيا الوسطى لولاية وسط دارفور.
اعتصام بيئي
وقال المهندس الزراعي إبراهيم المهدي زكريا، أحد منظمي اعتصام أم زعيفة في عام 2021، إن الاعتصام جاء رفضًا لقطع الأشجار والتوغل على الغابات.
وأعرب المهدي عن أسفه الشديد للواقع البيئي في السودان، منتقدًا ما وصفه بالإهمال الرسمي والشعبي، وإهمال مؤسسات الدولة والحكومات المتعاقبة لملف البيئة.
وقال إن المواطنين كانوا جزءًا أساسيًا من مشكلة تدهور البيئة بسبب ضعف الوعي، مشيرًا إلى أن مساحة الغابات في السودان كانت تعادل نحو 30 في المئة، قبل أن يؤدي انفصال جنوب السودان إلى فقدان البلاد جزءًا كبيرًا من ثروتها الغابية.
وكشف عن تدمير واسع للقطاع الغابي نتيجة غياب البدائل والظروف الاقتصادية الصعبة خلال الحرب، ما دفع السكان إلى الاحتطاب والاعتماد على المنتجات الغابية لتوفير سبل المعيشة.
وأكد أن منتدى شباب عد الفرسان الكبرى للتنمية والتعايش السلمي نظم أول اعتصام بيئي في مارس 2021، معتبرًا أن الخطوة كانت رسالة قوية و”جرس إنذار هائل” بشأن تعرض البيئة لتدمير ممنهج.
وقال إن المعضلة الأساسية التي تواجه قضايا البيئة تتمثل في ضعف الاهتمام الرسمي من المؤسسات الحكومية، إلى جانب ضعف ثقافة المواطنين والمسؤولين تجاه قضايا البيئة وتعطيل تطبيق القوانين، داعيًا إلى تكثيف الجهود وتسليط الضوء على الملف البيئي.
الحرب تفاقم أزمة الغابات
من جهتها، قالت المهندسة الزراعية مروة عمر من وزارة الزراعة بجنوب دارفور إن مشكلة القطاع الغابي كانت قائمة قبل الحرب، بسبب القطع الجائر والعشوائي وإزالة الغطاء النباتي، إلا أن حرب 15 أبريل فاقمت الأزمة بصورة كبيرة.
وأوضحت أن انقطاع غاز الطهي كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت السكان إلى الاعتماد بصورة شبه كاملة على الغابات، مشيرة إلى أن تهريب الفحم إلى دول الجوار زاد من تعقيد الأزمة، خصوصًا في ظل غياب الرقابة.

وقالت إن غابة النيم أصبحت شبه معدومة، محذرة من تداعيات ذلك البيئية والاقتصادية والاجتماعية، ومن بينها التصحر وانجراف التربة واختلال الدورة المائية المحلية.
وأضافت أن غياب الغطاء النباتي يقلل من رطوبة الجو ومعدلات النتح، مشيرة إلى أن الأشجار تسهم في زيادة الرطوبة وتلطيف الجو، وأن تدهور الغطاء النباتي يمكن أن يؤدي إلى اضطراب معدلات هطول الأمطار وانخفاض منسوب المياه الجوفية والمياه السطحية.
وأشارت إلى أن السكان اشتكوا خلال العام الحالي من ارتفاع درجات الحرارة، معتبرة أن ذلك من مؤشرات غياب الغطاء النباتي.
وذكرت أن دارفور تتمتع بمناخ السافانا الفقيرة، ما يمنح الإقليم خصائص نباتية مميزة، إلى جانب إقليم كردفان، المعروفين بإنتاج أشجار الصمغ العربي، التي تُعد من خدمات النظام البيئي الطبيعية.
وأكدت أن الاعتداء على أشجار الصمغ العربي يؤدي إلى إزالة التنوع الحيوي والنباتي، كما يسهم في تقليص مساحات المراعي والتأثير على الأراضي الزراعية الخصبة، الأمر الذي قد يؤدي إلى احتكاكات بين المزارعين والرعاة.
وأشارت إلى أن الاحتطاب أصبح عبئًا إضافيًا على النساء والأطفال، الذين يضطرون إلى قطع مسافات بعيدة لجلب الحطب، ما يعرضهم لخطر الاعتراض في ظل انتشار السلاح.
بدائل للحد من القطع
وأكدت مروة أن الحلول تتطلب توفير مواقد محسّنة تقلل من استهلاك الحطب والفحم، إلى جانب تغيير أساليب التعامل مع الأشجار، بحيث يتم تقليمها بدلًا من اقتلاعها من الجذور، بما يسمح للجزء المتبقي بالنمو والتجدد.
ودعت إلى إعادة تدوير المخلفات الزراعية واستخراج الفحم الحيوي من قشور الفول السوداني وسيقان الذرة وروث الحيوانات، باعتبار ذلك أحد البدائل التي يمكن أن تقلل الضغط على الغابات.
وختمت بالقول إن الجهود المطلوبة من وزارة الغابات بعد توقف الحرب ستكون “كبيرة جدًا”، في ظل حجم التدهور الذي تعرض له القطاع الغابي خلال السنوات الماضية.
