كاودا – دارفور24

على سفوح جبال النوبة جنوبي السودان، حيث فرضت الطبيعة الجبلية والغابات عزلة نسبية على المنطقة، كان أفراد قبيلة الأطورو من أوائل المقاتلين في صفوف الحركة الشعبية، حيث ظلوا أكبر الداعمين لها رغم الانشقاقات المتوالية في التنظيم المسلح.

وتحول هذا الدعم، الذي امتد لعقود طويلة، إلى قتال بين الطرفين، بعد انحياز بعض أبناء الأطورو إلى القبيلة في الخلافات حول ترسيم الحدود بين القبائل في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية التي يتزعمها عبد العزيز الحلو.

وقال القيادي السابق بالحركة الشعبية – شمال، جاتيقو دلمان، لـ”دارفور24″، إن أبناء مجموعة الأطورو كانوا من أوائل الذين انضموا إلى الكتائب الأولى للحركة الشعبية، إلى جانب بقية أبناء جبال النوبة.

وأشار إلى أن كتائب الصوبات عام 1984، وبُلكانو عام 1985، وكوش عام 1987، وانتصار عام 1989، هي من أوائل الكتائب التي ضمت الآلاف من أبناء جبال النوبة.

وأوضح دلمان أن الأطورو كانت ضمن أكبر ثلاث مجموعات، إلى جانب المورو والأنقولو، أمدّت الحركة بالمقاتلين الذين كانوا يتلقون التدريب في دولة إثيوبيا، ويقاتلون مع قوات الحركة الشعبية في جنوب السودان.

وبيّن أن طبيعة المنطقة الغابية والجبلية ساعدت المقاتلين الأوائل على ترتيب صفوفهم وتنظيم اجتماعاتهم الأولى بعيدًا عن أعين الاستخبارات العسكرية، ما ساعد في أن تصبح مناطق كاودا وهيبان نقطة الانطلاق الأولى للحركة في جبال النوبة.

تداخل قبلي معقد

وقال الباحث مجدي موسى لـ”دارفور24″ إن منطقة لويري التابعة لكاودا – التي تعد مركز قبيلة الأطورو – استضافت رئاسة الحركة الشعبية منذ 1990، رغم شح في الغذاء.

وتحولت كاودا بمرور الوقت إلى المعقل الرئيسي للحركة الشعبية – شمال.

وتشهد كاودا، التابعة لمحلية هيبان، منذ مارس الماضي، توترات بدأت بسبب خلافات حول ترسيم الحدود بين القبائل، قبل أن تتحول إلى نزاع بين الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال وأفراد من قبيلة أطورو، الذين تصفهم الحركة بـ”المتمردين”.

وخلال مايو ويونيو الماضيين، شنت قوات الحركة هجمات على مناطق تابعة للأطورو، في حين نفذت مجموعات مسلحة من القبيلة هجمات مضادة على مواقع وقوات تابعة للحركة، قبل أن تتسع الاشتباكات بين الطرفين في يوليو وأغسطس داخل كاودا.

وأفاد الخبير في المنطقة كوكو إسحق – اسم مستعار – بأن هيبان مجتمع متنوع تتداخل فيه الجغرافيا مع الهوية والأرض والسلطة والحرب.

وقال إن المنطقة، الواقعة على بعد نحو 90 كيلومترًا شرق كادقلي، تضم خمس مجموعات نوبية رئيسية هي أبل، وأطورو، وتيرا، وليرا، وشواية، ما يجعلها فضاءً اجتماعيًا متعدد المكونات لا يمكن اختزاله في مجموعة إثنية واحدة.

وتابع أنه بحسب تعداد عام 2010، بلغ عدد سكان محلية هيبان 211,474 نسمة، موزعين على خمس وحدات إدارية هي هيبان، وكاودا، ودبي، وأم دوردو، والأزرق.

وتُعد كاودا الأكثر أهمية، حيث يقع فيها المقر الرئيسي للحركة الشعبية – شمال بمنطقة لويري، التي تقع في الجانب الغربي/الجنوبي الغربي من نطاق كاودا، الذي يضم كاودا فوق “أعلى الجبل”، وكاودا تحت، وكاودا الجنوبية والشمالية والغربية، وشاوبير، وكودي “أ” و”ب”، والقراديد الستة، وكفيو، وأم شقين، وغيرها من القرى التابعة لها والمحاطة بالوديان والجبال.

حياة قاسية

وذكر إسحق أن طبيعة المنطقة الجبلية تفرض نفسها على حياة السكان، حيث تتداخل الجبال والتلال والأودية والسهول الزراعية والغابات ومناطق الرعي في تشكيل أنماط الاستقرار والإنتاج.

وأضاف: “في هذا المجتمع، لا تمثل الأرض مجرد مورد اقتصادي، بل ترتبط بالذاكرة والأجداد والقبور والزراعة والمياه والمراعي والقرية والهوية والانتماء.”

وأفاد أن حيازة الأراضي تعتمد بدرجة كبيرة على الأعراف المحلية، إلا أن الحدود التي يعرفها السكان تاريخيًا لا تتطابق دائمًا مع الحدود القانونية والإدارية الحديثة، لذلك تظل الأرض واحدة من أكثر القضايا حساسية، خاصة عندما تتقاطع مع الهوية والسلطة والموارد.

وأوضح أن الإدارة الأهلية، ممثلة في المك والعمدة والشيخ والقيادات المحلية، لعبت دورًا في تنظيم المجتمع وتسوية النزاعات، إلا أن الحرب أضعفت هذه البنية، وظهرت إلى جانبها هياكل للإدارة المدنية في المناطق الخاضعة للحركة الشعبية، ما أدى إلى تداخل بين السلطة التقليدية والسلطة المدنية والسياسية.

وأشار إلى أن الزراعة هي النشاط الاقتصادي الرئيسي، وتشمل زراعة الذرة الرفيعة والدخن والذرة والسمسم والفول السوداني والخضروات والبساتين، إلى جانب تربية الماشية والدواجن والصيد والتجارة المحلية.

وأدى تصاعد النزاع في منطقتي كاودا وهيبان بولاية جنوب كردفان إلى تعطّل الموسم الزراعي وحرمان المزارعين من زراعة مساحات واسعة، ما يهدد بتفاقم الأوضاع الغذائية وحدوث مجاعة في المنطقة.

وتسبب النزاع في كاودا في مقتل 453 شخصًا ونزوح نحو 53 ألفًا، فيما اعتُقل 710 أشخاص، بينهم 45 من العاملين في المجال الإنساني، وفق مصادر إنسانية تحدثت إلى “دارفور24” في 3 سبتمبر الجاري.