كمبالا – دارفور24
لم تنحصر الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 على خرائط السيطرة وخطوط النار، لكنها سرعان ما انتقلت إلى الأسواق وجيوب السكان، حيث أصبحت العملة ساحة صراع سيادي بين حكومتين.
بدأت الحكومة الخاضعة لسلطة الجيش منذ 2024 تنفيذ عملية واسعة لاستبدال بعض فئات العملة، قبل أن تستكمل في مايو 2026 مرحلة جديدة شملت فئتي 500 و1000 جنيه، معلنةً أن الأوراق القديمة المستهدفة بالاستبدال لم تعد مبرئة للذمة في الولايات المشمولة.
لكن العملية لم تشمل مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، حيث اتخذ الصراع مسارًا معاكسًا تمامًا.
ففي أواخر مايو 2026، ظهرت في مناطق واسعة من دارفور وكردفان أوراق نقدية جديدة المظهر، تحمل تاريخ مايو 2022 وتوقيع حسين يحيى جنقول، محافظ بنك السودان المركزي السابق، بالتزامن مع تعيينه محافظًا للبنك المركزي الذي أسسته حكومة تأسيس.
وبذلك لم يعد الجنيه مجرد عملة واحدة، بل صار انقسامًا ترك آثارًا في الأسواق، ويُخشى أن تمتد إلى العقود والأسعار والودائع والمدخرات وحقوق المواطنين.
اقتصاد الحرب
يقول المتخصص في الأزمات النقدية وإعادة هيكلة المنظومات المالية في بيئات النزاع، عمر سيد أحمد، إن ما يحدث يمثل في جانب منه استجابة لأزمة السيولة، لكنه في الوقت ذاته يحمل أبعادًا سياسية وسيادية.
ويشير إلى أن حكومة تأسيس أنشأت في 21 مايو 2026 مجلسًا للنقد وعيّنت محافظًا للبنك المركزي، معتبرًا أن إنشاء مثل هذه المؤسسات يتجاوز تقديم الخدمات المالية إلى بناء أدوات لإدارة الاقتصاد.
ويضيف: “المؤسسات لا تُقاس بخطابها السياسي، وإنما بما تمارسه من صلاحيات سيادية. هذا إعلان سياسي اقتصادي يُفسَّر في سياق الانفصال، ورسالة ضمنية باستمرار شرعية الحكومة الانتقالية لما قبل الانقلاب”.
وتفسير خطوة إنشاء مجلس للنقد وبنك مركزي جديد باعتبارها مشروعًا سياسيًا فقط يتجاهل مشكلة اقتصادية حقيقية، إذ عانت مناطق سيطرة الدعم السريع لفترة طويلة من نقص شديد في الأوراق النقدية، بعد رفضها العملة الجديدة الصادرة عن بنك السودان المركزي.
ويوضح سيد أحمد أن الفجوة في مناطق سيطرة حكومة تأسيس بين النقد المتداول والتحويلات الإلكترونية أصبحت كبيرة، مشيرًا إلى أن خصم النقد مقابل الأموال الموجودة في تطبيق “بنكك” وصل إلى 20-25% في بعض المناطق.
من أين جاءت الأوراق؟
الأوراق المتداولة تحمل تاريخ مايو 2022، أي تاريخًا يسبق الحرب بأشهر، وتحمل توقيع حسين يحيى جنقول، الذي كان محافظًا لبنك السودان المركزي في تلك الفترة.
وظهور أوراق تبدو جديدة وغير مستخدمة في السوق بعد سنوات من طباعتها يفتح احتمالين متناقضين: الأول أنها طُبعت حديثًا باستخدام تصميم ومواصفات وتاريخ قديم، والثاني أنها أوراق أصلية كانت موجودة قبل الحرب، لكنها ظلت مخزنة ثم خرجت إلى التداول بعد الاستيلاء عليها من منشآت مصرفية أو مطابع العملة، بحسب عمر سيد أحمد.
ومع أزمة السيولة، ظهر بنك المستقبل أداةً رئيسية للتحويلات والتعاملات المالية في المناطق الخاضعة للدعم السريع.
ويقول سيد أحمد إن بنك المستقبل لا يستوفي، وفق تقييمه، متطلبات البنك المركزي أو المعايير المصرفية الدولية، إذ إنه “أقرب إلى منصة تحويل وتداول رقمي شبه مصرفي”.

ويشير إلى غياب متطلبات يعتبرها أساسية في أي نظام مصرفي، من بينها الترخيص من سلطة رقابية معترف بها، وكفاية رأس المال، ونسب السيولة، والرافعة المالية، إضافةً إلى آليات حماية المودعين ودور المقرض الأخير.
ويضيف أن ضعف أنظمة معرفة العميل والإبلاغ عن المعاملات المشبوهة قد يجعل التعامل مع مثل هذه المنظومة عالي المخاطر بالنسبة إلى المؤسسات المالية الدولية.
ورغم ظهور بنك المستقبل في مناطق سيطرة الدعم السريع، ظل تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم مستخدمًا على نطاق واسع عبر خطوط السيطرة.
الجنيه يتحول إلى مخاطرة
يقول تاجر في سوق نيالا لـ”دارفور24″ إن “ما يجري حركة غير اعتيادية، وارتفاع جنوني في الأسعار. البضاعة تأتي من جنوب السودان، وفي كل مرة يكون هناك سعر جديد. يمكن أن تفقد نصف رأس مالك خلال يومين. السوق ليست فيها حركة، وخرج منها تجار كثيرون”.
ويشدد على أن التجارة تحتاج إلى كاش، وأنهم لا يستطيعون العمل بالتطبيقات، وهذا سبب ارتفاع خصم الكاش مقابل “بنكك” إلى أرقام كبيرة.
ويذكر أن دخول عملات مزورة إلى السوق زاد حالة عدم الثقة، إذ أصبح المتعاملون يستخدمون أكثر من نوع من الأوراق النقدية “حتى تمشي الحال”.
ويصف تاجر آخر المشكلة من زاوية مختلفة، قائلًا إن الخطر لا يكمن فقط في قيمة العملة، وإنما في الأموال الموجودة داخل الحسابات، إذ يمكن أن يُغلق حسابك فتخرج من السوق تمامًا.
وتكشف هذه الشهادة جوهر المشكلة: في اقتصاد الحرب، قد يكون فقدان الوصول إلى الحساب أكثر خطورة من انخفاض قيمة العملة نفسها.
هل يتجه السودان إلى جنيهين؟
من الناحية الاقتصادية، لا يحتاج الانقسام النقدي إلى إعلان رسمي، إذ يكفي أن تتوافر 4 عناصر، هي: عملة تُقبل في منطقة ولا تُقبل في أخرى، وسلطة نقدية تصدر العملة أو تدير التداول، ونظام مصرفي أو مالي موازٍ، وسعر مختلف للعملة وفق منطقة السيطرة.
ولهذا يرى سيد أحمد أن ما يحدث يمكن أن ينتج واقعًا نقديًا موازيًا، حتى إذا بقي اسم الجنيه السوداني واحدًا على الورق.
وتصبح المشكلة أكبر إذا بدأ كل طرف في بناء سعر صرف خاص به، وربط الأسعار والرواتب والضرائب والتجارة بالعملة التي يسيطر عليها.
ويعتقد سيد أحمد أن أخطر ما في الانقسام النقدي ليس الأوراق الموجودة في الأسواق، وإنما قدرة الأموال الرقمية على تجاوز خطوط السيطرة.
وتزداد حساسية المسألة لأن السودان دخل الحرب أصلًا بقطاع مصرفي يعاني من اضطرابات عميقة، بينما تعرضت البنية المصرفية خلال الحرب للنهب والتدمير، وتعطلت فروع ومؤسسات في مساحات واسعة.
