نيالا – دارفور24
يثير تأخر هطول الأمطار في أجزاء واسعة من إقليمي دارفور كردفانمخاوف متزايدة بشأن نجاح الموسم الزراعي الحالي، في ظل تحذيرات من تراجع إنتاج المحاصيل الغذائية والنقدية، وارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج،واستمرار الحرب التي حدّت من قدرة آلاف المزارعين على الوصول إلى أراضيهم.
ويقول مزارعون إن استمرار تأخر الأمطار قد يؤدي إلى تقليص المساحات المزروعة، خاصة بالمحاصيل التي تحتاج إلى فترة نمو تتراوح بين 75 و90يوماً، مثل الفول السوداني والبطيخ وبعض أصناف الذرة، وهو ما قد ينعكس على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي خلال الأشهر المقبلة.
وتتزامن المخاوف من تعثر الموسم الزراعي مع تحذيرات متصاعدة من الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي من تفاقم أزمة الجوع في السودان، التي توصف بأنها الأكبر عالمياً منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
ووفقاً لأحدث تحليل صادر عن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، يواجه نحو 19.5 مليون شخص، أي ما يقارب شخصين من كل خمسة سودانيين، مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي (المرحلة الثالثة أو أعلى)، بينهم نحو 135 ألف شخص يعيشون بالفعل أوضاعاً كارثية(المرحلة الخامسة)، فيما تواجه 14 منطقة في دارفور وجنوب كردفان خطر الانزلاق إلى المجاعة إذا استمر القتال وتعطلت المساعدات الإنسانية. كما يتوقع التقرير إصابة نحو 825 ألف طفل دون الخامسة بسوء التغذية الحاد الوخيم خلال عام 2026.
وقال المزارع عبدالله محمد لـ”دارفور24″ إن تأخر الأمطار في ولاية جنوب دارفور زاد من احتمالات تعثر الموسم الزراعي، موضحاً أن المزارعين يكونون قد أكملوا في مثل هذا الوقت من كل عام عمليات الحراثة التقليدية والآلية،استعداداً للزراعة.
وأضاف أن تأخر بداية الموسم سيؤثر بصورة مباشرة على المحاصيل طويلة النمو، في حين لا تزال بعض أصناف الذرة التي تُزرع خلال شهر أغسطس تحتفظ بفرصة للحاق بالموسم إذا تحسنت معدلات هطول الأمطار خلال الأسابيع المقبلة.
حراثة بلا أمطار
من جانبه، قال كمال سليمان، أحد سائقي الآليات الزراعية، إن كثيراً من المزارعين اضطروا إلى بدء عمليات الحراثة رغم عدم هطول أمطار كافية،أملاً في الاستفادة من أي أمطار لاحقة.
وأوضح لـ”دارفور24″ أن جفاف التربة أدى إلى تعطّل عدد من الآليات الزراعية، نتيجة صعوبة العمل في الأراضي غير المشبعة بالمياه، الأمر الذي رفع تكاليف التجهيز للموسم.
ورغم الشكاوى من تأخر الأمطار في معظم المناطق الزراعية بولاية جنوب دارفور، خاصة في محليات بليل، وقريضة، وكتيلا، والسلام، فإن المناطق الجنوبية من الولاية، مثل برام، والردوم، وسنقو، شهدت هطول أمطار منذ يونيو الماضي، ما أتاح للمزارعين هناك بدء عمليات الزراعة في وقت مبكر نسبياً.
وفي مدينة نيالا، دفع استمرار تأخر الأمطار مئات المواطنين إلى أداء صلاة الاستسقاء في الساحات العامة، في مشهد يعكس تنامي المخاوف من تعثر الموسم الزراعي.
ويحذر برنامج الأغذية العالمي (WFP) من أن الحرب المستمرة، والنزوح الجماعي، وانهيار الأسواق، وتعطل سبل كسب العيش، أدت إلى تعميق أزمة الجوع بصورة غير مسبوقة، مؤكداً أن السودان يواجه اليوم أكبر أزمة إنسانية في العالم. ويقول البرنامج إن أكثر من 34 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما يواجه ما يزيد على 19 مليون شخص مستويات حرجة من الجوع، في وقت تعاني فيه عملياته الإنسانية من نقص حاد في التمويل.
موسم متأخر في جنوب كردفان
وفي محلية هبيلا ولاية جنوب كردفان، قال المزارع محمد أبكر، من منطقة كرتالا، إن الأمطار لم تستقر حتى الآن في مناطق الجبال الستة ودلامي،الأمر الذي حال دون تجهيز الأراضي الزراعية.
وأوضح لـ”دارفور24″ أن المزارعين لم يتمكنوا حتى من زراعة المساحات الصغيرة داخل الأحياء السكنية، بينما كانوا في مثل هذا التوقيت من العام الماضي قد أكملوا زراعة الأصناف طويلة الموسم، مثل ذرة “الكرمكة”، و”ود أحمد”، و”الطابت”، إضافة إلى السمسم.
وأشار إلى أن موعد زراعة هذه المحاصيل، الذي يبدأ عادة بين نهاية يونيو وبداية يوليو، تأخر هذا العام نحو شهر، متوقعاً أن يكون توزيع الأمطار خلال الموسم الحالي متباعداً وغير منتظم.
وأضاف أن الموسم الزراعي الأول بعد اندلاع الحرب شهد ظروفاً مشابهة، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى نتائج أكثر خطورة على الأمن الغذائي.
الحرب تعطل الزراعة
وفي أجزاء من ولاية جنوب كردفان يقول مزارعون إن الأمطار جاءت أكثر استقراراً هذا الموسم، إلا أن استمرار الحرب وارتفاع تكاليف الإنتاج يحدان من الاستفادة منها.
وقال المزارع صديق تيه، من مدينة كادقلي، إن معظم مناطق الريف الشرقي شهدت أمطاراً جيدة، وأثمرت بالفعل بعض المحاصيل قصيرة الأجل، مثل الذرة الشامية والخيار البلدي.
لكنه أوضح لـ”دارفور24″ أن النشاط الزراعي بات يقتصر على الأراضي الواقعة داخل المنازل والأحياء السكنية، بعد أن أصبح الوصول إلى الأراضي الزراعية في منطقة الوادي شرق المدينة ومنطقة البرداب شمال شرقيها متعذراً منذ اندلاع الحرب.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الوقود ومستلزمات الإنتاج فاقم الأزمة، لافتاً إلى أن سعر صفيحة الجازولين بلغ نحو 600 ألف جنيه، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار المبيدات الزراعية.
وأكد أن استئناف النشاط الزراعي بصورة طبيعية يظل رهيناً بتحسن الأوضاع الأمنية وعودة المزارعين إلى أراضيهم.
وترى وكالات الأمم المتحدة أن الموسم الزراعي الحالي يمثل فرصة حاسمة لتخفيف حدة الأزمة الغذائية، إلا أن استمرار الحرب، وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، وصعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم، إلى جانب اضطراب الأمطار في بعض المناطق، يهدد بخفض الإنتاج الزراعي للموسم الثاني على التوالي في أجزاء واسعة من البلاد.
ويشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن القيود الأمنية، والهجمات على طرق الإمداد، وتدمير الأسواق ووسائل الإنتاج، والقيود المفروضة على حركة الأشخاص والبضائع، لا تزال تعيق وصول المساعدات الإنسانية إلى ملايين المحتاجين، خاصة في دارفور وكردفان. كما أن نقص التمويل أجبر البرنامج على إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر تضرراً، رغم اتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية.
تحديات اقتصادية
وفي المقابل، وصف المزارع برير، من محلية التضامن، موسم الأمطار في المناطق الشرقية من ولاية جنوب كردفان بأنه الأفضل مقارنة بالموسم الماضي.
وقال لـ”دارفور24″ إن الأمطار هطلت مبكراً في المشاريع الزراعية الممتدة من الترتر والطيار وبابنجيل وأم كيداب جنوباً، وصولاً إلى كلوقي وتلوديوالليري ورشاد والعباسية، مضيفاً أن استقرار الأمطار يقدر بنحو 80% في معظم تلك المناطق.
وأوضح أن غالبية المزارعين شرعوا في تجهيز أراضيهم، فيما بدأ بعضهم بزراعة أصناف الذرة طويلة الموسم، مثل “الكرمكة” و”ود أحمد”، بينما يستعد آخرون لزراعة السمسم.
إلا أنه حذر من أن الارتفاع الكبير في أسعار مدخلات الإنتاج قد يحرم عدداً كبيراً من المزارعين من الاستفادة من الموسم، مشيراً إلى أن سعر برميل الجازولين بلغ نحو 2.5 مليون جنيه، وهو ما يهدد حتى الزراعة المعيشية التي تعتمد عليها الأسر الريفية.
أزمة غذائية تلوح في شمال دارفور
وفي شمال دارفور، تتزايد المخاوف من انعكاسات تأخر الأمطار على الأمن الغذائي، في ظل استمرار النزاع وتراجع النشاط الزراعي.
وقال أحمد الطيب، أحد قيادات الإدارة الأهلية في كبكابية، إن المنطقة تشهد للمرة الأولى منذ ثمانينيات القرن الماضي تأخراً ملحوظاً في هطول الأمطار،محذراً من أن استمرار هذا الوضع قد يقود إلى أزمة غذائية واسعة.
وأوضح لـ”دارفور24″ أن عمليات حرث الأراضي، التي تبدأ عادة في يونيو وتستمر حتى منتصف يوليو، تأثرت هذا العام بسبب قلة الأمطار، إلى جانب إحجام كثير من المزارعين عن التوجه إلى الأراضي البعيدة نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية.
وأضاف أن اعتماد المزارعين على الأراضي القريبة من القرى سيؤدي إلى تقليص المساحات المزروعة، في وقت بدأت فيه أسعار الدخن والذرة تشهد ارتفاعات ملحوظة.
ووفق إفادات حصلت عليها “دارفور24″، فإن مناطق كتم، والمالحة، ومليط،ودار السلام، إلى جانب معظم محليات شمال دارفور، تشهد شحاً في الأمطار، ما أجبر المزارعين على تأجيل عمليات الحراثة بانتظار هطول أمطار كافية.
وتحذر الأمم المتحدة من أن الاستجابة الإنسانية لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياجات. فحتى نهاية أبريل 2026، لم تحصل خطة الاستجابة الإنسانية للسودان إلا على نحو 20% من التمويل المطلوب، وهو ما حدّ من قدرة المنظمات الإنسانية على توسيع عملياتها. وبين فبراير ومايو 2026، كان الشركاء الإنسانيون يستهدفون الوصول إلى 4.8 مليون شخص شهرياً، إلا أن عدد من تلقوا المساعدات في فبراير لم يتجاوز 3.13 مليون شخص.
ويرى خبراء الأمن الغذائي أن السودان يعتمد بدرجة كبيرة على الإنتاج المطري لتوفير الذرة والدخن والسمسم والفول السوداني، وهي محاصيل تمثل أساس الغذاء والدخل لملايين الأسر الريفية. ولذلك، فإن أي تأخير في الأمطار أو انخفاض في الإنتاج، بالتزامن مع الحرب وتعطل التجارة، قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع أسعار الغذاء، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع رقعة الجوع، خاصة في الولايات التي تعاني أصلاً من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.
