كتبت: ندى رمضان
لم يعد الانهيار الاقتصادي في السودان مجرد أرقام في تقارير أممية عن التضخم وانعدام الأمن الغذائي، بل تحول إلى عبء يومي يثقل حياة المواطنين، ويمس صحتهم وقوت أطفالهم وقدرتهم على الحصول على العلاج والتنقل. في مشوار للعلاج لا تتجاوز مسافته سبعة كيلومترات، ارتفعت كلفة المواصلات من 7 آلاف إلى 60 ألف جنيه، بينما تجاوزت تكلفة عملية ولادة قيصرية ثلاثة مليارات جنيه، بحسب إفادات مواطنين. وفي ظل هذه الأوضاع، تتزايد المخاوف من تراجع خدمات الرعاية الصحية وتعطل حملات تطعيم الأطفال، لتتسع دائرة الأزمة من ارتفاع تكاليف المعيشة إلى صعوبة الحصول على الخدمات الأساسية.
وتتواصل الحرب في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، مخلفة خسائر بشرية واسعة وأزمة إنسانية حادة، تشمل النزوح الجماعي وانعدام الأمن الغذائي وتراجع الخدمات الأساسية.
فاتورة العلاج
يقول الصحفي ياسر عركي في تدوينه على صفحته الشخصية بالفيسبوك، إن الحرب وتداعياتها دفعت القطاعين الصحي والاقتصادي إلى أوضاع بالغة الصعوبة، في ظل استمرار القتال وتزايد الاحتياجات الأساسية للسكان. ويروي عركي تجربته الشخصية، التي تعكس جانباً من معاناة المواطنين مع ارتفاع تكاليف التنقل، قائلاً: “تصدق يا مؤمن، لي ثلاثة أيام بعمل غيار جرح بعد التماثل للعلاج من عملية جراحية. بمشي مشوار من الحاج يوسف المزدلفة لمستشفى كمبوني في شارع 1، بدفع 60 ألف جنيه لصاحب الركشة، لانعدام الوقود لأكثر من أسبوع في الطلمبات. المسافة دي تقريباً من 6 إلى 7 كيلو، المشوار ده كان بسبعة آلاف تقريباً“!
ويشير إلى أن حجم الأزمة يتجاوز الحالات الفردية، في ظل تراجع الخدمات الصحية والاقتصادية وإغلاق مئات المرافق الطبية، من مستشفيات ومراكز صحية، الأمر الذي يحد من قدرة المواطنين على الحصول على العلاج. ويحذر عركي من تزايد مخاطر انتشار الأوبئة والأمراض خاصةً وسط الأطفال، مشيراً إلى تراجع حملات التطعيم والتوعية الصحية منذ اندلاع الحرب. ويقول: “لم أرَ حملات توعية وإعلانات عن مخاطر نقص الرعاية والتحصين، لوقف حالات الإصابة بالحصبة والدفتيريا (الخناق) والكوليرا الحادة، لا سيما في مخيمات النازحين المتكدسة“.
كما ينبه إلى تراجع خدمات الأمومة والطفولة والدعم الإنساني، وما يترتب على ذلك من صعوبات تواجه النساء الحوامل في الحصول على الرعاية الطبية والولادة الآمنة، لافتاً إلى الارتفاع الكبير في تكلفة العمليات القيصرية، التي قال إنها تجاوزت ثلاثة مليارات جنيه.
ليست أزمة دقيق فقط
من جانبه، يربط الخبير الاقتصادي إبراهيم علي، ارتفاع تكاليف المعيشة بتداعيات الحرب، قائلاً إن “الغلاء الذي يطحن السودانيين اليوم ليس أزمة دقيق أو فول أو وقود فقط، بل هو واحد من أثمان الحرب التي يتحمل مسؤوليتها طرفا القتال“. ويوضح أن استمرار القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع أدى إلى تراجع الإنتاج وتعطيل الطرق والأسواق وإضعاف العملة الوطنية، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والتجارة، وتوجيه موارد البلاد نحو أنشطة مرتبطة باقتصاد الحرب.ويُشير إلى أن آثار الأزمة تختلف من منطقة إلى أخرى، تبعاً للأوضاع الأمنية والسياسات الاقتصادية. في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، تتحمل السلطات مسؤولية سياساتها وقراراتها الاقتصادية، بما في ذلك القيود المفروضة على الاستيراد، في وقت لا يغطي فيه الإنتاج المحلي الاحتياجات. وفي المقابل يؤدي استمرار القتال والنهب وتعطيل الحركة التجارية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع ومناطق النزاع الأخرى إلى مزيد من التدهور، ويصعّب وصول الغذاء والوقود إلى السكان.
ويشدد إبراهيم على أنه لا ينبغي اختزال أزمة المعيشة في قرار حكومي واحد، ولا تحميل المواطن كلفة حرب لم يخترها. ويؤكد أن تداخل عوامل اقتصادية وأمنية أسهمت في زيادة الأعباء على المواطنين، أبرزها تراجع الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل والتوزيع، وتدهور الخدمات الأساسية، خاصة أن الحرب ألحقت أضراراً بالقطاعات الإنتاجية“، ونبه إلى الصعوبات التى يواجهها المزارعون في مواصلة الزراعة بسبب انعدام الأمن ونقص المدخلات، بينما أُغلقت مصانع أو تعرضت للنهب، وتعطل الإمداد، ما انعكس على توفير السلع وأسعارها.
ويقول إبراهيم إن أثر نقص الوقود لا يقتصر على صعوبة الحصول عليه، بل يمتد إلى تكاليف نقل المواطنين والسلع. فحين ترتفع كلفة نقل مريض لمسافة قصيرة من 7 آلاف إلى 60 ألف جنيه، تصبح رحلة العلاج عبئاً إضافياً على الأسرة، بينما تنعكس زيادة تكاليف النقل بدورها على أسعار الغذاء والدواء.
كما أن الحرب أدت إلى زيادة الضغط على الموارد العامة وإضعاف قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات، ما يضطر المواطنين إلى تحمل نفقات إضافية للعلاج والتعليم والتنقل، في وقت تتراجع فيه قدرتهم الشرائية بفعل ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة المحلية.
المواطن يدفع الثمن مرتين
وقال إبراهيم إن هذه العوامل تضع المواطنين أمام واقع معيشي معقد، تتداخل فيه معضلة استمرار الحرب مع آثار السياسات الاقتصادية وتراجع الخدمات. وفي المحصلة، يدفع المواطن الثمن مرتين: مرة بفقدان الأمن والاستقرار ومصادر الدخل، ومرة أخرى بتراجع قدرته على توفير الغذاء والعلاج وتلبية الاحتياجات الأساسية لأسرته.
ولا تقف آثار تراجع الخدمات الصحية عند حدود الحاضر، إذ يعود عركي بدوره ليحذر من التداعيات المحتملة لنقص التطعيمات وخدمات الأمومة والطفولة، وما قد يترتب عليه من زيادة مخاطر الإصابة بأمراض يمكن الوقاية منها، خصوصاً في المناطق التي تعاني تكدس النازحين وضعف الخدمات الطبية.
ومن جانبه، يعزو المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية بالجامعات، البروفيسور صلاح الدومة، تعقيد المشهد السوداني إلى ثلاثة عوامل رئيسية. ويقول إن العامل الأول يتمثل في تدني الوعي السياسي، معتبراً أن عقود حكم نظام الإنقاذ، التي امتدت لنحو 35 إلى 36 عاماً، أسهمت في تراجع الوعي السياسي والمجتمعي. ويضيف أن العامل الثاني يرتبط بالقوى الخارجية التي قال إنها تساند توجهات النظام الحاكم، إلى جانب تأثير أجهزة استخبارات أجنبية. أما العامل الثالث، فيتعلّق، بحسب تقديره، بحدود الدعم الذي تقدمه الجهات المساندة للشعب السوداني، إذ يرى أنها تتحرك وفق حسابات ومصالح محددة، الأمر الذي يزيد تعقيد المشهد ويطيل أمد معاناة المواطنين.
وتعكس هذه التقديرات اختلاف القراءات السياسية لأسباب استمرار الحرب وتعثر تسويتها، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مسار سياسي يفضي إلى وقف القتال ومعالجة التداعيات الإنسانية والاقتصادية.
حلول مرهونة بإيقاف الحرب
وأجمع المختصون على أن معالجة الأزمة المعيشية تتطلب التعامل مع جذورها السياسية والاقتصادية، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات محدودة لا تعالج أسباب التدهور. ويرى إبراهيم علي أن تجاوز الأزمة يبدأ بإيقاف القتال، وفتح الطرق والأسواق، واستعادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والوقود، وإعادة تشغيل المرافق الصحية. غير أن تنفيذ هذه الخطوات يظل مرتبطاً بتهيئة ظروف أمنية وسياسية تسمح باستئناف النشاط الاقتصادي، وإعادة بناء المؤسسات المتضررة، وتحسين قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية. وفي ظل استمرار الحرب وتراجع القدرة الشرائية، تظل كلفة الـ 60 ألف جنيه لمشوار لا يتجاوز سبعة كيلومترات، والتكلفة الباهظة للولادة القيصرية، مثالين على حجم المعاناة التي تواجه المواطنين يومياً، والفجوة بين احتياجات الأسر وبين تعثر السلام وتدهور الاقتصاد، لتبقى الاحتياجات الأساسية للسودانيين رهينة حرب لم تظهر بعد مؤشرات على قرب نهايتها.
ويؤكد الكاتب الصحفي إسماعيل حسابو، وجود علاقة مباشرة بين تعثر جهود السلام وتدهور الأوضاع المعيشية، مشيراً إلى أن استمرار الحرب أدى إلى تعطيل الإنتاج والأسواق، وفقدان مصادر الدخل، وتدمير المؤسسات الصحية والتعليمية، لتنعكس إخفاقات المسارات السياسية على حياة المواطنين اليومية.
ويقول حسابو: “أعتقد أن فشل منابر السلام حتى الآن يرتبط بتحولها إلى منصات للمحاصصة وتقاسم السلطة والمكاسب، على حساب مصلحة المواطنين، فضلاً عن ضعف الإرادة الوطنية وغياب الرؤية الواضحة لإنهاء الحرب ومعالجة جذورها. كما أسهم تهميش المجتمعات المتضررة والقوى المدنية في إضعاف الصلة بين هذه المبادرات وتطلعات السودانيين“.
ويرى أن نجاح جهود السلام لا يُقاس بعدد الاتفاقات الموقعة، وإنما بقدرتها على إيقاف الحرب واستعادة الخدمات وتحسين الأوضاع المعيشية، مشدداً على ضرورة الانتقال من تسويات النخب إلى عملية سلام تضع احتياجات المواطنين في صدارة الأولويات.



