تقرير – دارفور24
لم تعد أسواق إقليم دارفور تعتمد على المنتجات المحلية كما كانت قبل اندلاع الحرب في السودان عام 2023، إذ تحولت مسارات التجارة نحو دول الجوار، خصوصاً تشاد، لتصبح الواردات مصدراً رئيسياً للغذاء والسلع الاستهلاكية، في وقت تراجع فيه الإنتاج المحلي.
وأدى هذا التحول إلى ارتفاع الأسعار وتزايد الاعتماد على الفرنك الأفريقي في المعاملات التجارية، وسط مخاوف من تداول سلع غير مطابقة للمواصفات أو منتهية الصلاحية.
وقال تجار تحدثوا إلى “دارفور24” إن أسواق غرب دارفور تشهد تدفقاً واسعاً للسلع القادمة من تشاد والكاميرون ونيجيريا، إلى جانب بضائع تصل عبر ليبيا، في ظل تغير مسارات الإمداد وتراجع حركة التجارة التي كانت تربط الإقليم ببقية مناطق السودان.
وبحسب أحد التجار، لم تعد المشكلة الرئيسية في الأسواق ندرة السلع، بقدر ما تتمثل في ارتفاع أسعارها وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، نتيجة فقدان الوظائف وضعف المرتبات والتضخم.
وأوضح أن الحرب تسببت في أزمة حادة خلال بدايتها، لكن الأسواق شهدت لاحقاً انفراجاً مع تدفق البضائع من دول الجوار. ولفت إلى أن حركة التجارة شهدت تحولاً لافتاً؛ فبعدما كانت المنتجات السودانية تصل إلى تشاد قبل الحرب، أصبحت السلع التشادية والكاميرونية والنيجيرية تتدفق بكميات كبيرة إلى أسواق دارفور.
وأضاف أن سكان المنطقة باتوا يعتمدون على الواردات لتأمين احتياجاتهم الأساسية، بعدما كانوا ينتجون الغذاء ويبيعون الفائض، خصوصاً في منطقة الجنينة.
تحوّل مسارات التجارة
ويعزو التاجر اتساع حركة الواردات إلى طول الحدود بين السودان وتشاد وصعوبة السيطرة عليها، ما يسمح بتدفق طيف واسع من السلع، لا يقتصر على المواد الغذائية والاستهلاكية، بل يشمل الوقود والأجهزة الكهربائية والأقمشة وقطع الغيار والسيارات.

وأشار إلى أن بعض السلع تصل من أسواق بعيدة؛ إذ يمكن أن تُستورد الدواجن من البرازيل عبر مطار أنجمينا، فيما تصل الأدوية من الهند، وهو ما ينعكس على تكاليف السلع وأسعارها في الأسواق المحلية.
كما لفت إلى أن مسارات الإمداد التجاري تحولت من الجنينة إلى مدينة أدري التشادية، بينما تراجعت حركة التجارة عبر الطريق الصحراوي من خلال ليبيا، بسبب المخاطر الأمنية واستهداف شاحنات تنقل البضائع.
وقال إن استهداف عدد من الشاحنات دفع التجار إلى تجنب المسار الليبي، بعدما تصاعدت مخاوفهم من تعرض البضائع المدنية للضربات، في ظل اعتقاد الجيش بأن بعض الشحنات قد تحمل احتياجات لقوات الدعم السريع.
وأضاف أن مسار التجارة عبر تشاد يمتد، وفق تقديره، لمسافة تقارب 150 كيلومتراً، وتُنقل عبره البضائع باستخدام الدواب وعربات الكارو، مشيراً إلى أن مدينتي أدري وأدكو تحوّلتا إلى مركزين تجاريين بفعل الحرب.
وتنعكس هذه التحولات، بحسب التاجر، على طبيعة التعاملات المالية أيضاً، إذ أصبح بعض المتعاملين يعتمدون على الفرنك الأفريقي بدلاً من العملة السودانية، في ظل تضرر الاقتصاد المحلي.
ويرى أن استعادة حركة التجارة إلى مساراتها السابقة تتطلب، بعد توقف الحرب، إنشاء نقاط جمركية وتشكيل قوات مشتركة لتأمين الحدود ومكافحة التهريب.
غياب الجودة
وبالتوازي مع تغير مصادر البضائع ومسارات وصولها، تبرز مخاوف بشأن جودة بعض المنتجات ومدى مطابقتها للمواصفات.
وقال تاجر آخر، في مقابلة مع “دارفور24″، إن السلع القادمة من الكاميرون ونيجيريا تصل عبر مسارات تجارية تخضع، بحسب وصفه، لإجراءات فحص وجمارك في بعض المعابر، لكنه أشار إلى استمرار المخاوف بشأن جودة المنتجات ومدى مطابقتها للمواصفات.
وأوضح أن النشاط التجاري يتركز في الجنينة وبيضة وفوربرنقا، إلى جانب مناطق حدودية مثل كلبس وأسونقا وتندلتي وكرينك، التي تستقبل بضائع من مصادر متعددة.
وأضاف أن المنتجات السودانية كانت، في تقديره، أعلى جودة، خصوصاً المواد الغذائية، مقارنة بجزء كبير من السلع المتداولة حالياً في الأسواق.
وأشار إلى أن بعض المنتجات الوافدة تفتقر إلى بيانات واضحة بشأن تاريخ الصلاحية وبلد المنشأ، لا سيما المشروبات، معتبراً أن ذلك يثير مخاوف بشأن مطابقتها للمواصفات والمقاييس.
وفي السياق ذاته، قال تاجر آخر، فضل حجب اسمه، لـ”دارفور24” إن السلع تصل إلى المنطقة من ليبيا وتشاد عبر معبر أدكو، وتشمل مواد غذائية مثل السكر والمكرونة والشعيرية والعصائر والشاي والصابون والبسكويت، فضلاً عن السيارات القادمة من ليبيا عبر أدري.
وأوضح أن البضائع تُنقل مباشرة إلى الأسواق باستخدام عربات الكارو، ثم تُفرغ في الوكالات التجارية، بينما تصل بضائع التجار الذين لا يمتلكون وكالات إلى وجهاتها بالطريقة نفسها.
الرقابة على الواردات
واتهم التاجر الجهات المختصة بالتقصير في الرقابة على السلع المستوردة، قائلاً إن الأسواق تفتقر إلى مكاتب فعالة للمواصفات والمقاييس وحماية المستهلك، وإن عمليات التفتيش تقتصر غالباً على عربات النقل، دون التحقق الكافي من جودة المنتجات أو صلاحيتها.
وطالب بإنشاء مكاتب للمواصفات والمقاييس وتعزيز الرقابة على السلع الواردة، محذراً من أن غياب الفحص الدقيق يسمح بتداول منتجات قد تكون منتهية الصلاحية أو غير مطابقة للمعايير.
ويعكس هذا التحول في مسارات الإمداد حجم التغير الذي أحدثته الحرب في اقتصاد دارفور؛ فمع تراجع الاعتماد على الإنتاج المحلي وتبدل طرق التجارة، أصبحت الواردات القادمة من دول الجوار جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للسكان، في وقت تتفاقم فيه تحديات ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وضعف الرقابة على المنتجات.



