معاوية محمد الحسن*
هذه قصة قصيرة في ذم الحرب ووحشيتها، تعرض نوازع الإنسان إزاء الخطر والموت؛ وتكشف عن أن الإنسان والمكان في زمن الحرب يتحوَّلان إلى مجرد أهداف عسكرية لا قيمة أخرى لها؛ ففي الحروب دوماً تضيع الأسماء وتسقط العناوين، كما يقول راوي القصة.
(أعرفها.. مهاجرة.. وهذا الذي بطفلة الياسمين، من فعلِ نابالم العدوِ الحارق!) يحيى الطاهر عبد الله.
في الصباح شاهدَ الناسُ مُسيّرةً انتحارية تحصِدُ عدداً من الأرواح. وفي الظهيرة، أخبر بعضهم المواطن إكس، الذي كان لا يزال مُتحصِّناً في مخبئهِ داخل بدروم بناية مهجورة، أنَّ طائرةً مقاتلةً ظلَّت تُحلِّق فوق سماء المدينة مثل صقرٍ جارحٍ، وهي تقذفُ الحِمَمَ مُنذُ بواكير الصباح، وأنها قد قضَتْ على نحو عشرين مُواطناً وثلاثة مُتمرِّدين فقط!
نقلَ إليه تفاصيلَ الواقعةَ تلك شهودُ عيان، كانوا قد فرَّوا من القصف العنيف في منطقة أخرى، تَقَعُ عند خاصرة المدينة الجنوبية، ولكن ها هي الحرب تُدركهم في المنطقة التي لجأوا إليها، وهكذا اقتحموا البدروم في ذلك اليوم، وصاروا شركاءه في الحياة والممات، وهَو لم يسبق أن تعرَّف إلى أحدٍ منهم من قبل.
كانوا بضعةَ رجالٍ وامراتَيْن، إحداهما حبلى وتنام على ذراعيها طفلةٌ حُلوة في نحو الخامسة.. كان البدروم مُظلماً وحارّاً. كان موحشاً كأنه قبر لا يكاد ينقصه شيء سوى وجود ملكي العذاب: منكر ونكير !
سألَت المرأةُ السيّدَ إكس همساً وأنفاسُها تعلو وتهبط :قل لي، ما اسم هذه المنطقة التي نوجد بها الآن؟ أجابها بلا اكتراث:إنها المنطقة إكس.. إكس يا امرأة.. أنا سمعت جنَود الحكومة يُطلقون عليها هذا الاسم حينما كانوا يقفون قُبالة إحدى الكاميرات ويُعدمون مجموعة من الأسري بدمٍ بارد.
ولم تَكَدْ تمضي إلا بُرهةٌ قصيرةٌ حتى ارتفع صوت انفجار آخر في الخارج. أخلدت بعده الأشياء إلى سكون رهيب للحظات قلائل. همست المرأة الحامل: إنه السكون الذي يسبق العاصفة إذن! تجاوب معها رجل أربعيني ظلَّ مُنزوياً عند أقصى البدروم: الله يستر! صرخت الطفلة ذات السنوات الخمس، فضمَّتها المرأةُ إلى صدرها أكثر، ثم ربَّتت على ظهرها وقبَّلتها على خدها قُبلةً حارة. سألوها عن اسم الأمّورة الحلوة فقالت: ياسمين.. اسمها ياسمين.. سمَّيناها على اسم خالتها ياسمين التي رحلت عن هذا العالم في بواكير شبابها.
ردَّد السيد إكس بعد أن طبع قبلة عجْلى على جبين الطفلة: ياسمين اسم بديع.. فليرحم الله خالتها. وفي سرّه هتف: ياسمين! لا ياسمينَ ينبت في زمن الحرب!
تبادل الرجالُ النظرات المذعورة مع اشتداد القصف، وما لبثت أمُّ ياسمين أن أعادت ذات السؤال على المستر إكس، وقالت إنها فقط تُريد أن تعرف اسم المنطقة التي يجري فيها القتال في الخارج، لأنها تنوي أن تسلك طريقاً بعيداً عن محور القتال حينما تُواتيها فرصة الهرب نحو تخوم المدينة الشمالية، بعد أن يهدأ القتال، هذا إن كُتبت لها النجاة هي وطفلتها بالطبع. ربَّتت المرأة الأخرى على كتفها وهمست: سننجو بإذن الله. ردَّد الرجال الآخرون، عدا واحد: سوف ينجينا الله جميعاً.. سوف تنجو الطفلة على وجه التحديد لأن الملائكة ترعاها.
جَرَّ سؤالُ المرأة الملتاعة وراءه أسئلةً أخرى. سألَ أحد الرجال السيّدَ إكس بصفته المُقيمَ الأوَّل في البدروم: هل المُسيّرة التي تقصف الأحياء السكنية، تتبع لقوات الحكومة أم المتمردين؟ أجابت المرأة وهي تُزيل الغبار العالق عن شعر طفلتها: ما الفرق إذن؟ المُسيّرات لا تُفرّق بين داعمي الجيش وداعمي المتمردين.. شهوتها للقتل تكفي لتدمير أربع مدن كاملة في اليوم. صاحب السؤال كان رجلاً بشارب كَثٍّ وعضلاتٍ مفتولة، ومع ذلك، كان يبدو أكثرهم خوفاً ومبعثُ خوفه أنه ظلَّ يخشى الوقوعَ في أيدي المتمردين لأنه كان ذات يوم جندياً في الجيش الحكومي، وهذا وحده سببٌ كافٍ كي يُنكِّلَ به المُتمرِّدون إن وقع في أيديهم.
تعلَّقت نظرات الطفلة ياسمين ذات السنوات الخمس بوجه السيد إكس للحظات. مدَّتْ يدها الصغيرة نحوه فأمسك بها وداعب أناملها الغضَّة. في تلك اللحظة تمنَّى لو كان لديه طفلة حلوة كهذه من حبيبته التي هجرت المدينة بسبب الحرب. تنحنح عسكري الجيش السابق وتكلَّم همساً بكلام غير مفهوم. ربما بادر بالكلام فقط حتى يَطرد الرعب قليلاً من صدره؛ ومن ثم قال مخاطباً السيد إكس: وما هو اسمك أنتَ يا ساكن المنطقة إكس؟
أجابه السيد إكس على الفور :وما فائدة ذلك؟ في الحروب دائماً تضيع جميع الأسماء وتسقط جميع العناوين.
ردَّد الجميع: فعلاً.. في الحروب تضيع الأسماء.. تسقط جميع الأسماء.
كان يُدرِكُون جيداً، أن اسم المنطقة ربما لا يُعني الكثير، فطعم الموت ومذاقُه في جميع المناطق واحد، ولكنَّ الرجال المُمتلئين بالرُّعب والسيدتَيْن المذعورتَيْن، كانوا فقط يُريدون أن يُثرثروا، وربما أرادوا أن يُجرِّبوا حناجرهم، فقط لكي يتأكدوا من أنهم ما زالوا على قيد الحياة، فالروح تُغادر الجسد عبر الحنجرة مروراً بالتجويف الأنفي، ولكن السيد إكس ما فتئ يزعمُ أن روح البني آدم تخرج عبر إصبع القدم الكبير؛ إصبع القدم اليمنى تحديداً. قال إنه شاهد ذلك كثيراً بعد أن كفَّنَ ودَفَنَ عشرات الجثث.
أفاقت ياسمين من نومٍ مُتقطِّع، وبدأتْ تصرُخ. وقالت المرأة إن طفلها الآخر الذي لا يزال قابعاً في ظلماتِ رحمها، ما زال يصرخ في بطنها، ويرفس بشدَّة كأنه يرفض أن يخرج للحياة!
لم تتوقَّف زخَّات الرصاص في الخارج، وكان أزيز الطائرات لا يزال يُسمع بوضوح. تأوَّهَت المرأة وأشارت إلى طفلتها قائلة: لم تتناول طعاماً منذ ليلة البارحة! تعجَّب المُواطن إكس وأشارَ نحو الطفلة مغمضة العينين هامدة الحركات: كيف تَغرق في النوم من حين لآخر وهي جائعة؟ ردَّت الأم المكلومة على الفور: لا، ليس نوماً.. ليس نوماً.. إنها غيبوبة بلا شك! تبدو أعزباً يا سيد إكس ولا خبرة لديك بشوؤن العيال والأطفال. ردد الآخرون خلف المرأة: نعم، إنها غيبوبة.. غيبوبة.. فقط غيبوبة.. ليُسلِّم الله الجميع. اختلطت أصواتهم بصراخ الطفلة التي استيقظت لتُعاود الصراخ وتسكب دموعاً كانت كافية كي تسقي حقولاً من الياسمين، لكن الياسمين لا ينبت في زمن الحرب.. قالوا جميعاً: لا شيء ينبت سوى الرصاص والعدم.. لا شيء ينبت سوى الجماجم!
عند ساعة مُتأخّرة من الأصيل، ارتفعت أعمدة الدخان مرَّة أُخرى، ومن مكان قريب تنامى صراخ بعض النسوة والأطفال. أدرك الجميع أن كرنفال الموت في الخارج لا يزال صاخباً. وعندما حل المساء كانت ثمةَ قوةٌ من المتمردين تُمشِّط المنطقة إكس، وتُطلق النار في الهواء بكثافة غير مُعتادة. سُمِعَتْ جلبةُ الجنود وقعقعة السلاح.. ها هم يقتربون كثيراً من المكان.. صعدوا الطوابق العليا للبناية.. أطلقوا الذخيرة على كل شيء يتحرك في الأعلى.. أحدهم يأمر الجنود بتفتيش البدروم:
– أخيراً جاء إليك الموت.. مت رجلاً..
– كيف؟ أما رأيتَ كيف يموت الرجال؟ لا.. لم أرَ الموت قط، لأني لم أمت من قبل..
– اليوم ستراه إذن.. أنت بلا شكّ تتبع لقوة الاستخبارات، فأنت مُلتحٍٍ ورأسُك قبيح، مُربَّع الشكل.. أنت أحد فلول النظام الغاشم..
-كيف تقول هذا الكلام يا سيدي؟.. أنا.. المواطن إكس.. مجرد حشرة..
-اسكت يا خنزير.. قل إنك خروف.. فلتَصِحْ كأنَّكَ خروف..
-قلتها والله العظيم قبل أن تلدني أمي..
-أين يختبئ قائد قواتكم يا ابن الحرام؟
-أنا حشرة.. عشتُ حشرة، ظللتُ طوال حياتي أعيش بين شقوق الجدران كحشرة تقتاتُ من فتات الشوارع.. أنا لا حيلة لي..
-سنقتلك يا ود الحرام..
-ستخسرون رصاصة.. أنا لا أُساوي ثمن الرصاصة التي سوف تُفجِّرون بها رأسي.
قبلَ أن يعصبوا عينيه، أوقفوه قبالة كاميرا هاتف نقال وانبرى كبير الجند يقول: أخيراً، سيطرنا تماماً على المنطقة إكس. صاح الجنود الملتفُّون حوله: الله أكبر… الله أكبر. واصل الرجل حديثه قائلاً في حماس واندفاع: قواتنا كبَّدت العدو خسائر كبيرة… الله أكبر.. انظروا إلى هذا الصيد الثمين. وأشارَ نحو السيد إكس فارتفع صياح الجنود.
عصبوا عيني إكس بخرقة قماش سوداء، بصق كبير الجنود على وجهه وقال: كان العميل القذر يختبئ مثل الجرذان في هذه البناية منذ عدة شهور.. عيال الحرام لا قدرة لهم على قتالنا!
كانت فوهات البنادق مُصوَّبةً نحوه وفي كل اتجاه.. لم يتبقَّ شيء لم تُطلق عليه النيران.. حتى جُثث القتلى أطلق عليها الجنود النار حين لم يجدوا شيئاً يصوبون عليه بنادقهم. ها هي كاميرا الهاتف تمد لسانها.. باردة كانت.. مثل أطرافه تماماً.. لحظات وينتهي كل شيء.. لحظات فقط وينتهي مسلسل الرعب والعذاب.. هل أنت خائف؟.. لا.. أنا فقط أُحِسُّ بالعطش.. ريقي جاف كتراب الصحراء.. والطفلة ياسمين ذات السنوات الخمس، أين هي؟ هل تراها نجت من القتل مع أمها الحامل؟ والرجل صاحب الشارب الكث والقلب الواجف، ماذا فعلوا به؟ كيف يبدو الموت؟ ألم عنيف ثم رعشة خفيفة يا سيدي إكس.. جسد ثقيل وروح خفيفة.. نزفٌ حادٌّ ثم راحة أبدية ونوم هانئ طويل.. خففوا الوطء قليلاً يا أبناء الأفاعي.. ما أظن أديم الأرض إلا من أجساد المضطهدين.. لحظات وسوف يُسدل الستار.. ما حياتك؟ وما قيمتها؟.. ما فعلت بها منذ أن قَذف بك رحم أمك إلى الدنيا؟ تُريد أن تعيش؟ ما جدوى عيشك؟ لحظات وستُغلق نافذة العالم المُمتلئ بالحزن والعذاب.. بشرى لك! لماذا أنت خائف؟.. يجدر بك أن تكون سعيداً. صدِّقني، أنا لست خائفاً.. لست خائفاً مُطلقاً.. ظللت أموت قبل هذا مئات المرَّات وأنا لا أدري أنني أموت شيئاً فشيئاً .
وقبل أن يُطلقوا الرصاص، كان قد حدَّقَ بوجهِ الموت فوجده هادئاً ومُبتسماً، ويبدو له أكثر ألفة مما تخيَّله. شعر كأنّ الموت صديق حميم جاء يصطحبه في رحلة برية خلف أسوار العالم.. ضحك وتعجَّب، كيف أساء البشرُ الظنَّ بالموت طيلة تاريخهم الممتد. أجال بصره في الشارع الذي بدأ يغرق في العتمةِ، فما أبصرَ سوى أشباح نارية تتراقص حوله ثم تناهت إلى سمعه آخرُ صرخةٍ من صرخات هذا العالم، ولم تكن إلا صرخة الطفلة ياسمين ذات السنوات الخمس.
*قاص وروائي وأكاديمي سوداني
