*تقرير: دارفور24

رغم تعاقب اتفاقات السلام والمصالحات الأهلية، لا تزال ولاية جنوب دارفور واحدة من أكثر مناطق السودان عرضة لتجدد النزاعات القبلية، في مشهد تتداخل فيه عوامل التاريخ والجغرافيا والموارد الطبيعية مع تدخلات الدولة وانتشار السلاح، لتنتج دورة متكررة من العنف يصعب كسرها.

ويستعرض الموسم الأول من بودكاست “قصص من دارفور” الذي تبثه منصة دارفور24 شهادات ميدانية وتحليلات أكاديمية لفهم الأسباب العميقة التي تقف وراء استمرار هذه الصراعات.

نزاع يتجدد

شهدت مناطق بمحلية كبم في يونيو الماضي مواجهات بين قبيلتي السلامات والبني هلبة، أسفرت عن سقوط ضحايا ونزوح سكان، إلى جانب حرق ونهب عشرات المنازل.

ويروي أحمد الطاهر أحمد، أحد الناجين من الأحداث، أن الشرارة الأولى بدأت بوقوع عمليات نهب وسرقة في منطقة دمبة، قبل أن تتطور سريعًا إلى مواجهات واسعة امتدت من البلدة حتى غرب منطقة مركندي.

ويقول إن الهجمات أدت إلى تدمير وإحراق منازل ونزوح أعداد من السكان، داعيًا أطراف النزاع إلى تغليب خيار السلام حفاظًا على مستقبل الأطفال ورعاية كبار السن.

جذور تاريخية للنزاع

يرى الباحث في قضايا السلام والنزاعات والأستاذ بجامعة نيالا، هيثم محمدين، أن النزاعات القبلية في دارفور ليست ظاهرة جديدة، لكنها أصبحت أكثر عنفًا وتعقيدًا خلال العقود الأخيرة.

ويقول إن البنية الاجتماعية في دارفور تشكلت تاريخيًا حول القبائل والإدارات الأهلية التي كانت تضطلع بدور مهم في احتواء الخلافات المحلية، إلا أن طبيعة النزاعات تغيرت مع ظهور قضايا أكثر تعقيدًا، أبرزها النزاع حول الأراضي والحواكير وملكية الموارد.

ويضيف أن الضغوط البيئية، بما في ذلك الجفاف والتصحر وتراجع المراعي، دفعت أعدادًا متزايدة من الرعاة إلى التحرك جنوبًا نحو مناطق السافنا الأكثر خصوبة، ما أدى إلى تصاعد الاحتكاكات مع المجتمعات الزراعية حول المسارات والمراحيل التقليدية.

الدولة وتعقيد الأزمة

ويعتبر محمدين أن تدخل الدولة في الإدارة الأهلية كان أحد أبرز العوامل التي ساهمت في تعقيد النزاعات.

ويشير إلى أن الفترة الممتدة منذ تقسيم دارفور إداريًا عام 1994 وحتى ما بعد اتفاقية الدوحة شهدت إنشاء محليات ووحدات إدارية على أسس قبلية، وهو ما عزز التنافس بين المكونات المحلية، بحسب قوله.

ويرى أن هذه الترتيبات لم تستند دائمًا إلى معايير الإدارة المحلية المتعارف عليها، مثل الكثافة السكانية والموارد والامتداد الجغرافي، الأمر الذي خلق بؤرًا جديدة للتنافس والصراع.

 جوهر الصراع

وتبقى قضية الحواكير من أكثر الملفات حساسية في جنوب دارفور.

ويقول الباحث إن الدولة لم تنجح في إدارة ملف ملكية الأراضي، موضحًا أن كثيرًا من الحواكير تستند إلى وثائق وأعراف تاريخية تحدد حدودها وحقوق الانتفاع بها.

ويتهم السلطات السابقة بالتدخل في هياكل الإدارة الأهلية داخل بعض الحواكير، وتمكين مجموعات على حساب أخرى، فضلًا عن توطين مجموعات سكانية في مناطق نزح منها سكانها بسبب الحرب، وهي ظاهرة أصبحت تعرف محليًا بـ”زرائب الهواء”.

ويؤكد أن الحاكورة تختلف عن “الدار”، إذ تمثل الحاكورة ملكية تاريخية لقبيلة معينة، بينما تقيم داخلها قبائل أخرى تتمتع بحقوق الزراعة أو الرعي دون امتلاك الأرض.

انتشار السلاح

ويشير محمدين إلى أن انتشار السلاح بين المدنيين غيّر طبيعة النزاعات القبلية بصورة كبيرة.

ويقول إن تسليح بعض المجموعات القبلية خلال فترات مختلفة ساهم في رفع مستوى العنف، بينما لم تحقق حملات جمع السلاح النتائج المرجوة، الأمر الذي أدى إلى امتلاك بعض المجموعات مركبات قتالية وأسلحة متطورة، وهو ما ساهم في إطالة أمد النزاعات.

ورغم ذلك، يستبعد أن تؤدي هذه الصراعات إلى انهيار النسيج الاجتماعي في دارفور، مشيرًا إلى أن العلاقات التاريخية القائمة على المصاهرة والتعايش بين القبائل ما تزال تشكل عاملًا مهمًا في احتواء الانقسامات.

ويؤكد أن المصالحة الحقيقية لا تقتصر على توقيع الاتفاقات، بل تتطلب تنفيذها عمليًا، مع إشراك الشباب والنساء ورجال الدين، إلى جانب تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية ومعالجة الانتهاكات التي خلفتها الحرب.

مبادرات محلية لاحتواء الفتنة

وفي مواجهة تصاعد التوتر، أطلقت مجموعات شبابية بمدينة نيالا مبادرات مجتمعية لمنع اتساع دائرة العنف.

ويقول أمين محمد يونس، أحد أعضاء المبادرة، إن الشباب نجحوا في تهدئة الأوضاع ومنع اندلاع ما وصفه بـ”الفتنة الكبرى” بين قبيلتي البني هلبة والسلامات، مؤكدًا أن المبادرة حظيت باستجابة واسعة من المجتمع.

وأضاف: “نؤمن بأن السلام هو الأولوية، وأن الأمن هو الغاية، ولذلك نعمل على تفويت الفرصة أمام دعاة الفتنة وتجار الحروب.”

البندقية لا تصنع السلام

من جانبه، يرى موسى عبدالله الإمام، وهو من سكان منطقة دمبة وشاهد على الأحداث، أن السلاح لا يحل الخلافات بل يضاعفها.

ويقول إن الحكماء من القبيلتين ظلوا يعملون لمنع تجدد النزاع، معتبرًا أن جذور الأزمة ترتبط بملف الحواكير وإدارته أكثر من ارتباطها بالخلافات الاجتماعية بين المواطنين.

ويضيف أن معالجة النزاعات تتطلب الحوار والاحتكام إلى القانون، لا اللجوء إلى السلاح، لأن استمرار العنف لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر والانقسام.

 

*أُعد هذا التقرير استنادًا إلى حلقات الموسم الأول من بودكاست “قصص من دارفور”، الذي تنتجه منصة دارفور24 وينشر عبر موقعها الإلكتروني ومنصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي.