مسيرات نيالا.. موت في الأسواق ورعب يطارد المدنيين

نيالا – دارفور24

على ضوء القمر، وفي ليلة يكسوها الهدوء، جلست رفيدة هارون (31 عاماً) في فناء منزل أسرتها بحي النهضة بمدينة نيالا، تتصفح هاتفها الجوال، بعدما اشتركت في خدمة الإنترنت الفضائي “ستارلينك”، التي أصبحت وسيلة الاتصال المتاحة في إقليم دارفور، في ظل توقف خدمات الاتصالات التقليدية.

لم تكن رفيدة تتوقع أن يتحول هدوء تلك الليلة إلى لحظات من الرعب. فبينما كانت منشغلة بهاتفها، أضاء ضوء أحمر ساطع المكان من حولها، أعقبه، بعد دقائق معدودة، دوي انفجار عنيف غرب منزلها. اهتزت جدران المنازل، وانفتحت أبواب غرف كانت مغلقة، فيما تعالت صرخات الأطفال والنساء في الأحياء المجاورة.

كان الانفجار ناجماً عن غارة جوية بطائرة مسيّرة استهدفت حي دوماية، المجاور لحي النهضة، غربي مدينة نيالا.

تقول رفيدة لـ”دارفور24” إنها فقدت وعيها وأغمي عليها جراء شدة الإضاءة وقوة الانفجار، ولم تستعد وعيها إلا بعد مرور نحو 40 دقيقة. وتضيف أنها لم تتمكن من النوم طوال الليل، ولا تزال تعاني متاعب صحية، رغم خضوعها لعدد من الفحوصات الطبية.

ضحايا في سوق الأرزاق

لم تكن رفيدة وحدها التي عاشت تلك الليلة تحت وطأة الخوف؛ ففي حي دوماية، كان عشرات المدنيين يواجهون مصيراً أكثر قسوة، بعدما استهدفت غارة جوية سوق تنقونج في 26 أكتوبر الماضي، بينما كان يعج بالمتسوقين والعاملين.

وأعلنت منظمة أطباء بلا حدود، أن مستشفى نيالا التعليمي الذي تدعمه استقبل جثامين 36 قتيلاً، ورصدت فرقه الطبية أكثر من 150 مصاباً في قسم الطوارئ، جراء الهجوم الذي استهدف السوق، فيما طال قصف آخر حياً سكنياً مدنياً.

وفي المقابل، أعلنت حكومة “تأسيس” أن حصيلة الضحايا بلغت 102 قتيل و113 مصاباً في الهجوم على سوق تنقونج.

وكان معظم الضحايا، بحسب منظمة أطباء بلا حدود، من المدنيين، بينهم نساء وأطفال. ولم يكونوا في السوق بحثاً عن مكاسب استثنائية، بل كانوا يعملون في السوق الليلي لتأمين احتياجات أسرهم، بعدما دفعتهم ظروف الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية إلى العمل في ساعات الليل.

ونقلت المنظمة عن منسق مشروعها في نيالا، ديل كونينكس، أن المصابين وصلوا إلى المستشفى عبر عربات التوك توك والدواب، وهم يعانون جروحاً ناجمة عن الشظايا وحروقاً شديدة، فيما عمل الطاقم الطبي لساعات طويلة لإنقاذ الجرحى، بينهم نساء وأطفال.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض فيها الأسواق في نيالا للقصف؛ إذ سبقت الهجوم غارة بطائرة مسيّرة استهدفت سوق المواشي بالمدينة في 16 أكتوبر، وأسفرت عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل وإصابة آخرين، وفق منظمة أطباء بلا حدود.

الخوف يتطارد الناجين

ولم تقتصر آثار الغارات التي طالت دوماية على الخسائر البشرية، بل دفعت عدداً من الأسر إلى مغادرة منازلها والنزوح إلى مناطق أخرى، بينها طويلة ودبة نايرة في جبل مرة، بحسب مصادر محلية تحدثت لـ”دارفور24″.

ووصل بعض النازحين إلى تلك المناطق وهم يعانون آثاراً نفسية قاسية جراء مشاهد القصف وفقدان ذويهم والخوف من تكرار الهجمات، ويتلقون دعماً نفسياً في المراكز الصحية هناك.

وخلف الاستهداف الذي طال سوق تنقونج جرحاً عميقاً في نفوس أسر الضحايا وجيرانهم ومعارفهم، ممن لم تكن علاقتهم بالمكان مقتصرة على ارتياده للتسوق، بل ارتبطت به مصادر رزق ووجوه وأسر فقد بعضها أفراداً كانوا يعولونها.

نمط متصاعد من الهجمات

وتأتي غارة دوماية في سياق تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب السودانية، واتساع نطاق الهجمات التي تطال مناطق مأهولة بالسكان ومنشآت مدنية في دارفور وكردفان ومناطق أخرى من البلاد.

وفي يونيو الماضي، قالت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، أمام مجلس حقوق الإنسان، إن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان وثّق مقتل أكثر من ألف مدني جراء ضربات الطائرات المسيّرة خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026، بما يمثل نحو 80% من إجمالي القتلى المدنيين الذين وثقهم المكتب جراء النزاع خلال الفترة نفسها.

وأفادت البعثة بأن طرفي الحرب، الجيش وقوات الدعم السريع، استخدما الطائرات المسيّرة في هجمات طالت البنية التحتية المدنية، موضحة أنها وثقت خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 16 ضربة على منشآت صحية و33 ضربة على أسواق.

وفي دارفور، شملت الهجمات منشآت صحية وأسواقاً وأحياء سكنية؛ إذ أسفر استهداف مستشفى الضعين التعليمي بولاية شرق دارفور في مارس الماضي عن مقتل أكثر من 60 مدنياً، وفق البعثة، وأدى إلى خروج المستشفى عن الخدمة، ما حرم أكثر من مليوني شخص من الوصول إلى خدمات صحية أساسية.

كما امتد نطاق الهجمات إلى مناطق بعيدة عن خطوط المواجهات التقليدية، في ظل استخدام الطرفين طائرات مسيّرة بعيدة المدى، بحسب ما أوضحته البعثة في إحاطتها أمام مجلس حقوق الإنسان في سبتمبر الماضي.

وقالت البعثة إن المدنيين تعرضوا لأضرار جراء هذه الهجمات داخل منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم وأسواقههم ومواقع النزوح واللجوء، فضلاً عن تجمعاتهم الاجتماعية، مشيرة إلى أن آثار المسيّرات لا تقتصر على عدد القتلى والجرحى، بل تمتد إلى تدمير البنية التحتية وتعطيل الخدمات الأساسية واضطراب الحياة اليومية.

وفي إحاطة أخرى، وصف مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان الحرب بالطائرات المسيّرة بأنها مصدر رعب للمدنيين، الذين لا يعرفون أين ستسقط الضربة التالية، وما إذا كانت ستطال أحياءهم السكنية أو أسواقهم أو المراكز الصحية أو حتى المركبات التي يستخدمونها للفرار.