تقرير – دارفور24
لم تكن حليمة أحمد، التي كانت في شهرها الأخير من الحمل، تنتظر طبيباً غائباً أو مستشفى بعيداً فحسب، بل كانت تنتظر انحسار مياه أحد الأودية في منطقة أم دافوق، على بعد نحو 250 كيلومتراً جنوب غرب نيالا بولاية جنوب دارفور، حتى تتمكن أسرتها من نقلها إلى مدينة أم دخن بولاية وسط دارفور.
وبعد يومين قضتهما الأسرة في جمع المال اللازم لاستئجار عربة “تكتك”، تدهورت حالة حليمة وبدأت تعاني نزيفاً حاداً، قبل أن تفارق الحياة.
لم تكن وفاة حليمة، بحسب مصادر محلية نقل عنها “دارفور24″، حالة منفردة؛ إذ أفادت المصادر بوفاة 12 امرأة حامل في محليتي أم دافوق ورهيد البردي خلال شهر واحد فقط.
وفي مناطق أخرى من دارفور، تضطر نساء حوامل إلى قطع المسافات سيراً على الأقدام أو على ظهور الدواب للوصول إلى المستشفيات، فيما تُنقل أخريات على نقالات خشبية يحملها رجال من القرى. وبين وعورة الطرق وانقطاعها خلال موسم الأمطار، ونقص وسائل النقل والخدمات الصحية، قد يتحول الوصول إلى العلاج إلى سباق مع الموت.
وتكشف هذه الحالات عن أزمة صحية وإنسانية متفاقمة تواجه النساء في الإقليم، حيث أدى استمرار الحرب منذ أبريل 2023 إلى تراجع الخدمات الصحية وخروج عدد من المرافق عن الخدمة، ونقص الكوادر الطبية والأدوية، فضلاً عن الصعوبات التي تواجه النساء في القرى والأرياف للوصول إلى خدمات الرعاية الصحية والإنجابية.
طرق مقطوعة وخدمات غائبة
تقول الناشطة في مجال حقوق المرأة مريم حامد ميدوب لـ”بودكاست دارفور24″ إن الحرب والنزوح والعنف أخرجت أجزاء واسعة من دارفور من دائرة الخدمات، مشيرة إلى أن النساء في المناطق الريفية والقرى والحلال يواجهن صعوبات كبيرة في الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وتضيف أن هذه الصعوبات تتفاقم خلال موسم الخريف بسبب وعورة الطرق وانقطاعها، في وقت توقفت فيه، بحسب إفادتها، خدمات الصحة الإنجابية في مناطق عديدة، وأصبح الحصول على مستلزمات أساسية، مثل الفوط الصحية، أمراً صعباً.
ولا تقتصر الأزمة على صعوبة الوصول إلى المرافق الصحية، بل تمتد إلى محدودية الخدمات المتاحة داخلها. وتشير ميدوب إلى أن توقف عدد من المستشفيات عن العمل فاقم معاناة النساء، لافتة إلى أن مستشفى عديلة لا يزال يستقبل حالات من القرى، رغم نقص الإمكانات وعدم توفر الكهرباء، الأمر الذي يحد من القدرة على إجراء العمليات.
كما تشير إلى نقص التطعيمات المخصصة للنساء الحوامل والأطفال، معتبرة أن تراجع التمويل، بما في ذلك التمويل الأمريكي، أسهم في تقليص فرص حصول النساء على خدمات الصحة الإنجابية.
وتستشهد ميدوب بحادثة وقعت في منطقة بيضة بولاية غرب دارفور، المجاورة لولاية جنوب دارفور، عندما اضطرت امرأة في حالة ولادة إلى انتظار انحسار مياه أحد الأودية حتى تتمكن من الوصول إلى المستشفى. وتقول إن محاولات إسعافها لم تنجح، إذ توفيت قبل وصولها إلى المستشفى، بعد انتظار دام نحو ساعتين.
مستشفيات مكتظة وإمكانات محدودة
وتصف ميدوب وضع مستشفى الضعين بأنه “مؤسف”، خصوصاً بعد تعرضه للقصف وخروجه من الخدمة لفترة، مشيرة إلى أنه أصبح حالياً من المرافق التي تستقبل المرضى القادمين من محليات عدة، رغم نقص الكوادر الطبية والأدوية.
وتقول إن المستشفى يعاني اكتظاظاً شديداً، بينما تظل الخدمات المقدمة محدودة، ولا تتوفر خدمات الأخصائيين بصورة كافية، خصوصاً في مجال النساء والتوليد، إلى جانب نقص الأدوية وخدمات الصحة الإنجابية والتطعيمات للنساء والأطفال.
ويزيد بُعد المسافة وارتفاع تكلفة النقل من تعقيد الوضع، إذ تعجز أسر كثيرة عن توفير وسيلة نقل للنساء الحوامل، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي فرضتها الحرب. وحتى عندما تتمكن الأسرة من تدبير تكاليف الرحلة، قد تحول الطرق المقطوعة دون الوصول في الوقت المناسب.
وفي منطقة قولو بولاية وسط دارفور، تقول ميدوب إن مستشفى واحداً يقدم الخدمات للسكان في ظروف صعبة، وسط صعوبة الوصول إليه وارتفاع أعداد المرضى مقارنة بالإمكانات المتاحة. وتشير إلى وجود أخصائي واحد لإجراء العمليات القيصرية للنساء.
وتضيف: “للأسف رجعنا إلى العصر التقليدي والولادة عبر الحبل”، في إشارة إلى اضطرار بعض النساء إلى اللجوء للولادة بالطرق التقليدية بسبب تعذر الوصول إلى المستشفى.
وفيات ومخاطر نقص الغذاء
وتشير إفادة أخرى إلى تسجيل وزارة الصحة بولاية جنوب دارفور 47 حالة وفاة بين الأمهات في ثماني محليات من أصل 21 محلية، مع احتمال أن تكون الأرقام الفعلية أعلى بسبب محدودية التغطية وصعوبة الوصول إلى المناطق المعزولة.
وتقول ميدوب إن هذه الأرقام “دقّت ناقوس الخطر”، محذرة من احتمال ارتفاع وفيات الأمهات وتدهور خدمات الصحة الإنجابية إذا استمر الوضع الحالي.
ولا تنفصل المخاطر التي تواجه النساء عن الأوضاع الغذائية والصحية المتدهورة في الإقليم. فبحسب ميدوب، تنذر التحذيرات الأممية بشأن نقص الغذاء في دارفور، في ظل تراجع الإنتاج الزراعي وشح الأمطار، بمزيد من الضغوط الاقتصادية والصحية على السكان الذين يعتمد كثير منهم على الزراعة.
وتضيف أن موسم الأمطار يشهد انتشاراً للأمراض، فيما تتعرض أعداد كبيرة من النساء لخطر سوء التغذية، دون وجود استجابة صحية كافية لمواجهة هذه المخاطر.
وترى ميدوب أن المنظمات الإنسانية تقدم استجابات، لكنها لا تشمل جميع الخدمات ولا تغطي الاحتياجات الفعلية للنساء، مشيرة إلى أن احتياجاتهن الخاصة لا تحظى دائماً بالأولوية.
وتوضح أن توفير الغذاء قد يُنظر إليه باعتباره أولوية مقارنة بمستلزمات أخرى أساسية للنساء، مثل الفوط الصحية، داعية إلى إشراك النساء في تحديد الاحتياجات ووضع الحلول المناسبة لها.
الولادة خارج المستشفيات
وفي أم دافوق، تقول إحدى الكوادر الطبية إن النساء في المناطق الريفية يواجهن أوضاعاً معيشية صعبة، وإن غياب المراكز الصحية ونقص القابلات يدفعان بعض النساء في القرى والفرقان إلى الولادة بالطرق التقليدية.
وتوضح أن بُعد المستشفيات وغياب وسائل النقل يحولان دون حصول كثير من النساء على الرعاية اللازمة قبل الولادة وأثناءها، ما يزيد مخاطر وفاة الأم أو الجنين، فضلاً عن مضاعفات صحية أخرى، من بينها الناسور، في ظل غياب التعقيم والرعاية الطبية المناسبة.
وتشير إلى أن المرأة في الريف تتحمل أعباء منزلية ومعيشية كبيرة، بينما أدت الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية إلى زيادة الضغوط الواقعة عليها.
وتدعو الكادر الطبي الجهات الحكومية والإنسانية إلى إنشاء مراكز صحية في القرى والدامرات والمحليات، بما يسهم في تقليل المخاطر التي تواجه النساء أثناء الحمل والولادة.
وتتفق هذه المطالب مع ما تنقله نساء من أم دافوق عن صعوبة الحصول على الرعاية الصحية، خصوصاً خلال فصل الخريف، عندما تنقطع البلدة عن المناطق الأخرى.
وتقول إحدى النساء إن البلدة تحتاج بصورة عاجلة إلى مساعدات صحية وإنسانية، ولا سيما للنساء الحوامل والأطفال، مشيرة إلى أن غياب المستشفى والأطباء يفاقم معاناة السكان.
وتضيف أن الوصول إلى أقرب مستشفى قد يستغرق ساعتين على الأقل بواسطة عربة تجرها الدواب، وهي رحلة شاقة بالنسبة للمرأة الحامل، وقد تصل بعدها إلى المستشفى وهي في حالة إنهاك، دون ضمان الحصول على العلاج.
كما تشير إلى وفاة أطفال بسبب الملاريا في ظل تدهور الخدمات الصحية.
وتقول امرأة أخرى إن النساء يعانين من غياب الأطباء والأجهزة الطبية، بما فيها أجهزة الأشعة، وإن معاناتهن تتفاقم خلال موسم الخريف. وتضيف أن بعض النساء يصلن إلى المستشفى بعد حدوث مضاعفات مرتبطة بالحمل أو الجنين، وقد تفارق بعضهن الحياة بسبب تأخر الوصول وغياب وسائل النقل.
عيادات متنقلة وحلول طويلة المدى
في مواجهة هذه الأوضاع، تدعو ميدوب المنظمات الإنسانية الدولية والوطنية ووكالات الأمم المتحدة والجهات الحكومية إلى التدخل العاجل لصيانة المستشفيات، وتوفير الأدوية والكوادر الطبية، وإنشاء عيادات متنقلة تصل إلى القرى والمناطق التي تفتقر إلى الخدمات.
وترى أن العيادات المتنقلة يمكن أن تمثل حلاً مؤقتاً لتوسيع نطاق الوصول إلى الرعاية الصحية في القرى والأحياء، لكنها لن تكون كافية دون توفير الأدوية والكوادر اللازمة لتشغيلها.
وتشدد على أن الأولوية الأكثر إلحاحاً تتمثل في توفير الكوادر الطبية والأدوية، بالتوازي مع توسيع نطاق العيادات المتنقلة لتصل إلى المحليات والقرى.
كما تحذر من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، مشيرة إلى أن أعداد الوفيات المسجلة لا تعكس بالضرورة جميع الحالات، خصوصاً النساء اللواتي لا يصلن إلى المستشفيات أو لا تُسجل حالاتهن رسمياً.
ولا تقتصر الحلول، بحسب ميدوب، على الاستجابة الطارئة، بل تتطلب وضع استراتيجيات طويلة المدى، من بينها تدريب القابلات وتوسيع الخدمات الصحية في القرى والمناطق الريفية، لتقليل المخاطر التي تواجه النساء أثناء الحمل والولادة.
