تقرير – دارفور24
لم تقتصر تداعيات الحرب في السودان على المدن التي تحولت إلى ساحات للقتال، بل امتدت آثارها إلى مناطق أخرى ظلت لسنوات وجهة للباحثين عن الأمان.
ومع اتساع رقعة الحرب، تحولت الجنينة بولاية غرب دارفور من مدينة تستقبل سكانها إلى ملاذ لآلاف الأسر التي دفعتها الحرب إلى مغادرة منازلها في الخرطوم والجزيرة وسنار وغيرها، حاملة معها ما استطاعت من متاع، فيما ترك كثيرون خلفهم منازلهم وأعمالهم وأفرادًا من أسرهم وماضيهم الذي امتد لعقود.
وتشير إفادات نازحين إلى أن أكثر من 50 ألف أسرة وصلت إلى غرب دارفور خلال فترة الحرب، وسط أوضاع إنسانية صعبة، فيما واجه القادمون تحديات تتعلق بالسكن والغذاء والعمل والرعاية الصحية، إلى جانب آثار نفسية واجتماعية خلفتها رحلة النزوح وما رافقها من مخاطر.
خوف ونزوح
قالت نازحة لـ«دارفور24»، خلال حديثها لبودكاست «قصص من دارفور»، إن قرار مغادرة أم درمان لم يكن اختيارًا، وإنما جاء هربًا من الخوف والقتال.
وذكرت أن أكثر من 45 شخصًا من أفراد الأسرة اضطروا إلى السفر في سيارة «بوكس» واحدة، بينهم والدها الذي كان يعاني من آثار جلطة، في رحلة لم يكن واضحًا بالنسبة لهم إلى أين ستنتهي.
وتضيف: «خرجنا من بيوتنا ولم نكن ندري إلى أين نذهب، قبل أن نتوقف في منطقة أم قرفة، حيث بدأ الأطفال في البكاء بسبب انعدام الطعام والشراب، قبل أن يصلوا إلى مدينة بارا، التي أمضوا فيها أربعة أيام تحت شجرة، واعتمدوا خلالها على البسكويت والماء».
وتابعت: «لكن المعاناة لم تتوقف عند ذلك، إذ توفي طفل صغير من الأسرة في مدينة الفولة نتيجة مضاعفات صحية، قبل أن تستأنف المجموعة رحلتها باتجاه غرب دارفور».
وأوضحت أن الرحلة استغرقت نحو 45 يومًا حتى الوصول إلى الجنينة، فقدت خلالها الأسرة عددًا من الأشخاص الذين كانوا برفقتها، كما تعرضت السيارة التي تقلهم للاستهداف بطائرة مسيّرة.
وتقول إن الطريق إلى الجنينة كان محفوفًا بالخوف والجوع والإرهاق، لكنها تأمل في أن يكون طريق العودة إلى ديارهم، متى ما انتهت الحرب، أقل قسوة من طريق النزوح.
جار إلى غريب
نازحة أخرى تحدثت عن تجربة مختلفة لكنها تحمل القدر ذاته من الألم. تقول إنها غادرت أم درمان برفقة طفلتها الصغيرة، بينما كان زوجها مفقودًا، ولم تكن تعرف عنه شيئًا عند مغادرتها، ولا تزال تجهل مصيره حتى الآن.
وتضيف أن الطريق إلى غرب دارفور لم يكن آمنًا، حيث تعرضت الرحلة لمخاطر القصف والاستهداف بالطائرات المسيّرة، قبل أن تصل إلى الجنينة حيث تمكنت من العثور على فرصة عمل.
أما النازحة الثالثة، التي تنحدر من ولاية الجزيرة، فتروي تجربة نزوح مختلفة بدأت قبل مغادرة منزلها، عندما شعرت بأن آثار الحرب بدأت تتسلل تدريجيًا إلى حياتهم اليومية.
وتشير إلى أن أسرتها عانت في الحصول على المواد الغذائية، كما واجهت معاملة سيئة من بعض الجيران وأشخاص كانت تربطهم بهم علاقات قوية، مشيرة إلى أنها شعرت بأن أصلها من غرب السودان أصبح سببًا للنظر إليها بعين مختلفة.
وتبيّن أن الحرب أحدثت فجوة بينها وبين جيرانها، وأن الأسرة ظلت تتحمل تلك المعاملة أملًا في أن تستمر حياتها بصورة طبيعية. لكن اقتراب القتال من ولاية الجزيرة جعلها تشعر بأن البقاء أصبح أكثر خطورة، وأن الطرق قد تُغلق في أي لحظة، ما قد يحرم الأسرة من إمكانية الوصول إلى منطقة آمنة، خصوصًا أنها لا تملك وسيلة للحركة.
وتفيد أن أسرتها عاشت في المنطقة عشرات السنين، ومع ذلك لم يتحدث إليها أحد من الجيران عندما قررت الرحيل، ولم يطلب منهم أحد البقاء أو وعدهم بالحماية.
وتردف: «نحن لا علاقة لنا بالدعم السريع، ولم ينضم أحد من أولادنا إلى الدعم السريع، بل إن بعض أولادنا كانوا في الجيش»، مضيفة أن الأسرة كانت تتوقع من جيرانها الوقوف إلى جانبها في تلك اللحظة، لكن ذلك لم يحدث.
وترى أن خروجهم من المنطقة كان مؤلمًا ومهينًا، ليس فقط بسبب ترك المنزل، وإنما بسبب الإحساس بأن علاقات اجتماعية امتدت لعقود لم تصمد أمام الاستقطاب الذي أنتجته الحرب.
أم درمان.. محطة أخرى في رحلة الخوف
لم تكن مدينة أم درمان بالنسبة إلى هذه الأسرة سوى محطة مؤقتة في رحلة طويلة من النزوح. فقد قضوا فيها نحو شهرين، تقول النازحة إنهما كانا مليئين بالخوف من الطائرات المسيّرة والأسلحة المختلفة، فضلًا عن مشاهد الجثث في الشوارع وارتفاع أسعار المواد الغذائية.
وتقول إن الأسرة لم تكن تمتلك أموالًا نقدية كافية لتوفير احتياجاتها، ما دفعها في نهاية المطاف إلى مواصلة الرحلة باتجاه غرب السودان.
وعلى الطريق، تقول إنهم مروا بسيارات مدمرة، بعضها تعرض للقصف بطائرات مسيّرة، وأخرى انقلبت في الطريق، فيما كانت الأسرة تمر أحيانًا يومين أو ثلاثة أيام دون طعام أو ماء.
وفي إحدى المرات، توقفت السيارة التي تقلهم داخل أحد الأودية بسبب الرمال، وأثناء محاولة إخراجها لاحظت إحدى قريباتها اقتراب طائرة مسيّرة، ما دفعهم إلى الابتعاد عن السيارة والاختباء. وتقول إن المسيّرة قصفت بالقرب منهم دون أن تصيب السيارة.
فجوة إنسانية
مع وصول آلاف الأسر إلى الجنينة، لم تنتهِ رحلة المعاناة. فالمدينة نفسها كانت قد تعرضت لدمار واسع خلال الحرب، وأصبحت تواجه احتياجات متزايدة تفوق قدرة المؤسسات والخدمات المتاحة.
ويقول الصحفي علاء الدين بابكر، وهو عضو مؤسس للجان الطوارئ في غرب دارفور، إن لجان الطوارئ ظهرت لسد الفجوة التي تركتها المؤسسات الرسمية في تقديم الخدمات خلال الحرب.
ويشير إلى أن حجم الفجوة الإنسانية في الجنينة كان كبيرًا بسبب شدة الحرب التي شهدتها المدينة، ما جعل الحاجة إلى أجسام مجتمعية تعمل بصورة موازية أمرًا ملحًا، بحسب وصفه.
ويضيف أن لجان الطوارئ ركزت جانبًا كبيرًا من عملها في الجنينة، باعتبار أن حجم الخراب والدمار والاحتياجات الإنسانية كان أكبر.
ومن بين الأنشطة التي ينفذونها، وفق بابكر، برنامج «التكايا» في مستشفى الجنينة، الذي يستهدف مرافقي المرضى، إلى جانب دعم المطابخ الجماعية وتنظيم مخيمات علاجية للمتأثرين بالسيول.
ويقول إن العمل التطوعي ركز بصورة خاصة على المرضى الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج، والعجزة الذين لا يجدون من يعولهم، والنازحين القادمين من ولايات أخرى.
احتياجات لا تنتهي
الوصول إلى الجنينة لم يكن نهاية الأزمة بالنسبة للنازحين، بل بداية مرحلة أخرى من التحديات. فالأسر التي قطعت مئات الكيلومترات بحثًا عن الأمان وصلت في كثير من الحالات دون ممتلكات كافية، وبعضها لم يحمل سوى الملابس التي يرتديها أفراده.
ويقول بابكر إن غالبية النازحين وصلوا إلى الجنينة «بملابسهم فقط»، مشيرًا إلى أن حجم الاحتياجات الإنسانية أكبر بكثير من الخدمات المقدمة حاليًا.
وهنا تكمن إحدى أكبر المفارقات التي أفرزتها الحرب: النازح يهرب من منطقة القتال بحثًا عن الأمان، لكنه يصل إلى منطقة تعاني هي الأخرى من آثار الحرب، وتواجه محدودية في الموارد والخدمات، فيجد نفسه مضطرًا للبدء من الصفر تقريبًا.
كما أن النزوح لا يقتصر على فقدان المسكن أو مصدر الدخل، بل يعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية ويضع الأسر أمام تجارب الفقد والانفصال والخوف والوصمة والبحث عن العمل والغذاء والعلاج.
أزمة تتجاوز الإغاثة
تكشف قصص النازحين من الخرطوم والجزيرة إلى غرب دارفور أن النزوح في السودان لم يعد مجرد انتقال جغرافي من منطقة إلى أخرى، وإنما أصبح تجربة إنسانية مركبة تبدأ بالخوف وتنتهي غالبًا بأزمات جديدة.
ففي الطريق، هناك خطر القصف والطائرات المسيّرة والجوع والعطش وفقدان أفراد الأسرة. وبعد الوصول، تظهر أزمات السكن والغذاء والعمل والعلاج، إلى جانب آثار نفسية واجتماعية قد تستمر حتى بعد توقف الحرب.
وتشير هذه الروايات كذلك إلى أن المجتمعات المستقبلة نفسها تعاني من آثار الحرب، الأمر الذي يجعل قدرتها على استيعاب موجات النزوح المتتالية محدودة، ويزيد الاعتماد على المبادرات المحلية ولجان الطوارئ والمساعدات الإنسانية.
وفي مدينة مثل الجنينة، التي عرفت الحرب والنزوح والدمار، تبدو مهمة الاستجابة الإنسانية أكثر تعقيدًا؛ فالمطلوب ليس فقط توفير وجبة أو مأوى مؤقت، وإنما مساعدة الأسر على استعادة الحد الأدنى من الاستقرار، والوصول إلى العلاج والعمل والتعليم، والحفاظ على روابطها الاجتماعية، إلى أن تتوفر الظروف التي تسمح لها بالعودة الآمنة إلى مناطقها.
