تقرير – دارفور24
على الحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى، لا تبدو الخطوط السياسية المرسومة على الخرائط قادرة وحدها على وقف حركة الرعاة، أو منع الاحتكاكات بين السكان، أو إنهاء نزاعات قديمة تتجدد كلما غابت آليات الدولة.
في منطقتي أم دافوق السودانية وأم دافوق الأفريقية، تتقاطع مسارات الرعي والتجارة مع تعقيدات الحرب والسلاح وضعف الوجود الرسمي، لتجد المجتمعات الحدودية نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية، كيف تحافظ على نمط تاريخي من التعايش وحركة الرعي العابرة للحدود، في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة على حماية الحدود وإنفاذ القانون.
وخلال السنوات الأخيرة، تعرضت مناطق حدودية لهجمات مسلحة أوقعت قتلى وأجبرت سكاناً على النزوح، وأثرت بصورة مباشرة في العلاقات بين المجتمعات الحدودية، فيما حاولت مؤتمرات الصلح والإدارات الأهلية احتواء التوتر ومنع تحوله إلى مواجهات أوسع.
وكان آخر هذه المساعي مؤتمر عُقد في يونيو 2026، سبقه مؤتمر آخر في أكتوبر 2025، في محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الرعاة السودانيين والسكان المحليين في أفريقيا الوسطى، وتجديد الالتزامات السابقة المتعلقة بالديات وحركة الرعي وحمل السلاح واحترام قوانين الدولة المستضيفة.
لكن تجدد هجوم مسلح بعد فترة وجيزة من مؤتمر يونيو أعاد السؤال جول قدرة مؤتمرات الصلح وحدها معالجة نزاع تتداخل فيه عوامل قبلية وأمنية واقتصادية وعابرة للحدود.
أم دافوق.. بوابة الرعي والتجارة
تقع أم دافوق في الجزء الجنوبي الغربي من ولاية جنوب دارفور، وتمثل واحدة من أهم المناطق الحدودية بين السودان وأفريقيا الوسطى.
ويقول الدكتور أحمد صالح علي أبو ضراع لـ”بودكاست دارفور24″ إن المنطقة تتميز بثروة حيوانية كبيرة وموارد مائية ومراعٍ واسعة، كما تمثل منفذاً للسودان باتجاه أفريقيا الوسطى.
وتنبع أهمية المنطقة، بحسب أبو ضراع، من كونها جزءاً من مسار رعوي تاريخي اعتاد فيه الرعاة السودانيون الانتقال بمواشيهم إلى داخل الأراضي الأفريقية الوسطى بحثاً عن المياه والكلأ، في رحلة قد تمتد لأكثر من تسعة أشهر من العام.
ويقول إن هذا النمط من الرعي ليس من السهل تغييره، بسبب وفرة الموارد الطبيعية في الجانب الأفريقي مقارنة بالموارد المتاحة للرعاة داخل الجانب السوداني.
ويرى أبو ضراع أن معالجة المشكلة لا يمكن أن تتم فقط بمنع عبور الحدود، وإنما تحتاج إلى مشاريع تساعد على استقرار الرعاة وتوفير المياه والمراعي داخل السودان.

نزاع قديم وحرب جديدة
بحسب إفادة أبو ضراع، بدأت الاحتكاكات في صورة نزاعات داخل أراضي أفريقيا الوسطى منذ عام 2022، نتيجة الاحتكاك بين الرعاة القادمين من السودان والسكان المستقرين في المناطق الحدودية.
وتضم أطراف الصراع، وفق الإفادات، مجموعات من قبائل السارا والكارا في أفريقيا الوسطى، إلى جانب التعايشة والمسيرية ورعاة من قبائل سودانية أخرى يعبرون الحدود بحثاً عن الموارد. لكن اندلاع الحرب في السودان أدى إلى تعقيد المشهد بصورة أكبر، بعدما أضعف مؤسسات الدولة وأتاح مساحة أوسع لتحركات المسلحين والمتفلتين.
كما انسحبت، بحسب الإفادات، القوات المشتركة التي كانت تضطلع بأدوار أمنية على الحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى وتشاد، ما ترك فراغاً أمنياً في منطقة واسعة ومترامية الأطراف.
الهجمات تدفع السكان إلى النزوح
كان للهجمات الأخيرة على أم دافوق الأفريقية تأثير مباشر في السكان وحركة الرعي. ويقول أبو ضراع إن الهجوم أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان الأفارقة باتجاه الأراضي السودانية، فيما برزت مخاوف من أن تؤدي تداعياته إلى منع الرعاة السودانيين من دخول الأراضي الأفريقية خلال موسم الرعي المقبل.
ويرى أن استمرار هذا الوضع قد ينعكس على الاقتصاد المحلي في جانبي الحدود، لأن الرعي ليس مجرد نشاط معيشي، وإنما يمثل جزءاً أساسياً من حركة التجارة والتبادل بين المجتمعات الحدودية.
وبحسب الإفادات، تجاوز عدد ضحايا النزاعات الأخيرة 28 قتيلاً من الطرفين، وهو رقم يعكس حجم المخاطر التي تواجه المجتمعات المحلية إذا لم تتم معالجة أسباب النزاع بصورة مستدامة.

مؤتمرات الصلح.. تهدئة مؤقتة
في أكتوبر 2025، انعقد مؤتمر للصلح بين الأطراف المعنية، أسهم، وفق إفادة المواطن عيسى موسى عيسى من أم دافوق السودانية، في تحسين حركة الرعاة وتقليل عمليات السرقة والنهب بصورة كبيرة.
ويقول عيسى إن المؤتمر أتاح للرعاة الانتقال بصورة أكثر سلاسة بين السودان وأفريقيا الوسطى، وأسهم في الحد من حوادث النهب والسرقة. لكن اتفاقات الصلح واجهت لاحقاً تحديات في التنفيذ، خصوصاً ما يتعلق بدفع الديات وتنفيذ الالتزامات الأمنية.
وفي يونيو 2026، عُقد مؤتمر جديد لتجديد الالتزامات السابقة وحسم عدد من القضايا العالقة.
ويقول أبو ضراع إن مؤتمر يونيو لم يكن منفصلاً عن مؤتمر أكتوبر، وإنما جاء لتنشيط مخرجات المؤتمرات السابقة وحث الأطراف على الالتزام بها.
غير أن وقوع هجوم مسلح بعد أيام قليلة من المؤتمر كشف هشاشة الوضع الأمني، وأعاد التساؤل حول قدرة الاتفاقات القبلية وحدها على التعامل مع هجمات قد تتجاوز أطراف النزاع التقليدية.
الديات.. عقدة في طريق المصالحة
مثلت قضية الديات واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في تنفيذ اتفاقات الصلح. وبحسب الإفادات، أقر اتفاق سابق دفع نحو 99 مليون جنيه سوداني كديات، وشُكلت آليات وأتيام لجمع الأموال من الرعاة السودانيين الموجودين داخل أفريقيا الوسطى.
لكن هذه الآليات تعرضت، وفق أبو ضراع، لانتهاكات أثناء قيامها بجمع الديات، الأمر الذي أدى إلى تأخير عملية الدفع.
وتكمن أهمية هذا الملف، بحسب الإفادات، في أن عدم تنفيذ الالتزامات المالية لا يبقى مسألة قانونية أو قبلية فقط، بل قد يتحول إلى سبب مباشر لتقييد حركة الرعي وإغلاق الحدود.
ويحذر أبو ضراع من احتمال إغلاق الحدود في نوفمبر المقبل إذا لم يلتزم الرعاة بالديات والاتفاقات الموقعة.
السلاح.. حماية للرعاة أم وقود للنزاع؟
من أكثر القضايا إثارة للجدل حمل الرعاة السودانيين السلاح أثناء وجودهم داخل الأراضي الأفريقية الوسطى. يقول العمدة سليمان محمد جابر إن مخرجات مؤتمر الصلح تنص على إلزام البقارة بعدم حمل السلاح داخل أفريقيا الوسطى، إلى جانب احترام قوانين الدولة المستضيفة.
لكن أبو ضراع يقدم تفسيراً آخر لظاهرة حمل السلاح، مشيراً إلى أن أجزاء من الحدود تعاني من ضعف السيطرة الأمنية، وأن بعض الرعاة يحملون السلاح لحماية أنفسهم ومواشيهم من المتفلتين.
الإدارات الأهلية.. الدولة البديلة؟
مع تراجع حضور مؤسسات الدولة، أصبحت الإدارات الأهلية لاعباً رئيسياً في إدارة النزاعات الحدودية. ويقول أبو ضراع إن الإدارات الأهلية تضطلع حالياً بدور أساسي في احتواء الأزمات، مستشهداً بمؤتمرات الصلح التي تمكنت من معالجة عدد من القضايا وجدولة الديات وتجديد الاتفاقات.
كما يشير إلى أن قبيلة التعايشة، باعتبارها من أكبر المجموعات في المنطقة، تمتلك قيادتها الأهلية أدوات اجتماعية تساعد على ضبط الأوضاع، بينما يستطيع السلطان انقابو، وفق إفادته، التأثير في قبيلة الكارا داخل أفريقيا الوسطى.
لكن الإدارات الأهلية، رغم نفوذها الاجتماعي، تواجه حدوداً واضحة في قدرتها على إنفاذ الاتفاقات عندما تكون المنطقة مسرحاً لتحركات مسلحة لا تخضع بصورة مباشرة لسلطتها.
اقتصاد الحدود في مهب النزاع
لا تقتصر تداعيات الصراع على الخسائر البشرية. فحركة الرعي والتجارة بين البلدين تمثل شرياناً اقتصادياً للمجتمعات الحدودية، وأي إغلاق للحدود أو تقييد لحركة الرعاة يمكن أن يؤثر في أسعار المواشي والسلع وحركة التجار ومصادر دخل آلاف الأسر.
ويقول أبو ضراع إن الأحداث الأخيرة أثرت بالفعل في الرعي والتجارة، فيما يظل احتمال إغلاق الحدود قائماً إذا لم تنفذ الالتزامات المتعلقة بالديات.
ويرى العمدة حامد الحسين إسماعيل، ممثل الرعاة، أن نجاح مخرجات مؤتمرات الصلح يرتبط أيضاً بمعالجة احتياجات الرعاة الأساسية، وفي مقدمتها توفير الأدوية البشرية والبيطرية والمياه، وفتح المراحيل، وتحسين الأمن والاستقرار.
هل تكفي الدبلوماسية الشعبية؟
رغم هشاشة الوضع الأمني، تبدو الدبلوماسية الشعبية واحدة من الأدوات التي ما زالت قادرة على التواصل بين المجتمعات الحدودية.
ويرى أبو ضراع أن استقرار المنطقة لن يتحقق فقط عبر الاتفاقات الرسمية، خصوصاً في ظل غياب الدولة السودانية في أجزاء واسعة من الحدود، وإنما يحتاج إلى استمرار التواصل بين الإدارات الأهلية ومكونات المجتمع في البلدين.
لكن نجاح هذا الدور يظل مرتبطاً بوجود حد أدنى من الأمن واحترام الاتفاقات، إلى جانب وجود مؤسسات رسمية قادرة على حماية المدنيين وإنفاذ القانون.
مجتمعات تحتاج إلى السلام
تكشف تجربة أم دافوق أن التعايش بين المجتمعات الحدودية ليس فكرة جديدة، بل نمط حياة ارتبط بالرعي والتجارة والمصاهرة والتداخل الاجتماعي عبر الحدود.
غير أن الحرب وانتشار السلاح وتراجع مؤسسات الدولة جعلت هذا النمط التاريخي أكثر هشاشة.
وفي الوقت الذي أسهمت فيه مؤتمرات الصلح في تخفيف بعض التوترات وفتح قنوات للحوار، فإن استمرار الهجمات يوضح أن المصالحة القبلية وحدها لا تستطيع معالجة جميع أسباب النزاع، خصوصاً عندما تتداخل النزاعات المحلية مع الفراغ الأمني وحركة الجماعات المسلحة.
ويرى الدكتور أحمد صالح علي أبو ضراع أن استقرار المنطقة يتطلب مسارين متوازيين، يتمثل الأول في استمرار التواصل بين الإدارات الأهلية ومكونات المجتمع في البلدين للحفاظ على جسور التعايش، فيما يتمثل الثاني في وجود مؤسسات رسمية وأمنية قادرة على حماية الحدود وإنفاذ القانون.
ويرى أبو ضراع أن سكان أم دافوق لا يدافعون عن مجرد خط حدودي مرسوم على الخريطة، وإنما عن موسم للرعي ومصدر للرزق وطريق للتجارة، إلى جانب علاقات اجتماعية ممتدة بين المجتمعات على جانبي الحدود.
ويحذر من أن تعثر هذه المنظومة قد لا يقتصر أثره على الخسائر البشرية، بل قد يدفع الحدود من كونها مساحة للتعايش والتبادل إلى منطقة مغلقة يسودها الخوف، ويصبح فيها المرعى نفسه عاملاً للنزاع بدلاً من أن يكون جسراً للتواصل بين المجتمعات.
