تقرير – دارفور24

تستلقي حليمة أحمد بدي على متن دراجة ثلاثية الإطارات “تكتك”، وهي حامل في الشهر الأخير للولادة، في طريقها من محلية أم دافوق بجنوب دارفور إلى بلدة أم دخن بولاية وسط دارفور من أجل مقابلة الطبيب للولادة.

خاضت حليمة هذه الرحلة الشاقة، بعد أن حولها أحد الكوادر الطبية في أم دافوق إلى أم دخن، نظرًا لعدم وجود طبيب.

واضطرت إلى الانتظار يومين حتى تتمكن أسرتها الصغيرة من جمع المال اللازم لاستئجار “التكتك”، وسيلة النقل المحلية، حيث كان الوقت يمرّ ببطء خانق، وكل لحظة تحمل ثقلًا لا يُحتمل مما في بطنها من ألم.

وقالت أسرة حليمة لـ”دارفور24” إنه أثناء توجه الحامل إلى أم دخن، التي تقع على الحدود مع دولة تشاد، وجدت أحد الوديان ممتلئًا بالماء، ما أجبرها على التوقف والانتظار.

وأضافت: “أثناء انتظارنا على ضفاف الوادي، بدأت حالتها الصحية تتدهور بسرعة، إلى أن فاضت روحها متأثرة بالنزيف الحاد.”

ولم تكن حالة حليمة استثناءً، حيث توفيت خمس من النساء الحوامل في محلية أم دافوق الحدودية مع دولة أفريقيا الوسطى خلال شهر أغسطس الحالي، بعد هجرة الكوادر الطبية وتوقف المستشفى الريفي بسبب استحقاقاتهم المالية، جراء إيقاف عمل منظمة “رفيدة” الداعمة للمستشفى و19 مركزًا صحيًا آخر في محليات أم دافوق ورهيد البردي وعد الفرسان، من قبل استخبارات قوات الدعم السريع.

وأوقفت الاستخبارات أنشطة المستشفى بذريعة أنها كانت تعمل تحت مظلة حزب المؤتمر الوطني المحلول، دون أن تفلح الاجتماعات التي جرت بين المنظمة وقوات الدعم السريع والوكالة السودانية للإغاثة في استئناف نشاطها.

تزايد وفيات الأمهات

ولم يكن الحال أفضل في محلية رهيد البردي المجاورة لأم دافوق، وفق إفادات سكان محليين تحدثوا لـ”دارفور24″.

وقال السكان إن المستشفى المحلي خرج عن الخدمة، مما أدى إلى وفاة سبع نساء حوامل في شهر أغسطس الجاري، ثلاث منهن توفين في الطريق أثناء تحويلهن إلى مدينة نيالا.

وأفادت وزارة الصحة بولاية جنوب دارفور بأن عدد الحالات المبلغ عنها لوفيات الأمهات خلال النصف الأول من العام الجاري بلغ 47 وفاة، حيث اقتصرت عملية التبليغ على 8 محليات من جملة 21 محلية بالولاية.

وأشارت إلى أن عدم تبليغ المحليات الأخرى لا يعني عدم وقوع وفيات، إذ أرجعت عدم الإبلاغ إلى انعدام وسائل الاتصال وصعوبة الوصول بسبب الأمطار والوديان، بالإضافة إلى نقص الشركاء والكوادر الطبية.

وذكرت أن النزيف التالي للولادة يأتي في مقدمة أسباب وفيات الأمهات، إلى جانب ارتفاع معدلات الولادات المنزلية وضعف الوصول إلى المؤسسات الصحية.

أسباب مالية

وقالت مصادر محلية من محليتي أم دافوق ورهيد البردي لـ”دارفور24″ إن خروج المستشفيات الريفية في المحليتين عن الخدمة، لأسباب مالية وإجراءات إدارية، أدى إلى مفاقمة معاناة المواطنين، مما أسفر عن وقوع وفيات بين الأمهات أثناء الولادة.

وأوضحت أن غالبية تلك الوفيات مرتبطة بالنزيف الحاد بعد الولادة والإجهاض ومضاعفات أخرى تتعلق بعدم المتابعة الدورية للحوامل في المراكز الصحية.

وكشفت منظمة أطباء بلا حدود الهولندية، في وقت سابق من اندلاع الحرب في السودان، أن نسبة وفيات الأمهات في مستشفيين تدعمهما المنظمة في جنوب دارفور تجاوزت 7% من إجمالي وفيات الأمهات التي سجلتها مرافق أطباء بلا حدود في العالم.

وذكرت المنظمة أن مستشفى نيالا التعليمي ومستشفى كأس الريفي سجلا 46 حالة وفاة في صفوف الأمهات، وأن تكاليف النقل الباهظة ساهمت في وصول كثير من النساء في حالة حرجة إلى المستشفى، حيث وقعت 78% من الوفيات في غضون 24 ساعة من دخولهن المستشفيين.

وأدى تطاول أمد النزاع إلى تفاقم الأزمة الصحية للأمهات، في ظل نقص الإمدادات الطبية، لا سيما أن الأطراف المتحاربة تمنع وصول المساعدات المنقذة للحياة أو تفرض قيودًا عليها.

وفي محلية الردوم، على بعد نحو 280 كيلومترًا جنوب مدينة نيالا، تعاني الأمهات الحوامل من غياب أخصائيي النساء والتوليد، وتزداد معاناتهن مع فصل الخريف.

وسجلت المحلية 10 حالات وفاة وسط الأمهات، لعدم وجود كوادر ومرافق طبية مهيأة، وفق إفادات المواطنين لـ”دارفور24″، مشيرين إلى أن غالبية الوفيات مرتبطة بالنزيف الحاد بعد الولادة والإجهاض.