لاجئو السودان في تشاد بين قسوة الحرب وأمل الهدنة

تقرير- دارفور24

لا تنتهي معاناة السودانيين عند عبور الحدود هرباً من الحرب، ففي مخيمات اللجوء بشرق تشاد تبدأ مواجهة أخرى مع نقص الغذاء ومخاطر الاستغلال والانتهاكات التي تطال النساء، وبينما يتواصل تدفق الفارين من مناطق القتال، تبدو الهدنة الإنسانية نافذة أمل لوقف الحرب وفتح الطريق أمام السلام.

وأدى استمرار الحرب في السودان منذ أبريل 2023 إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، حيث أجبرت المعارك ملايين السودانيين على مغادرة مناطقهم، إلى مناطق أخرى داخل البلاد وآخرون عبروا الحدود إلى دول الجوار، بينها تشاد التي عبر اليها مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً من إقليم دارفور.

وقالت لاجئة سودانية، في مخيم أدري بدولة تشاد، خلال مشاركتها في برنامج “بودكاست دارفور24“، إن أعداد اللاجئين شهدت زيادة خلال الفترة الأخيرة نتيجة وصول أعداد جديدة من مناطق مختلفة في السودان، مشيرة إلى أن غالبية القادمين ينحدرون من إقليم دارفور.

وأوضحت أن الاحتياجات داخل المخيمات ما تزال كبيرة، خاصة فيما يتعلق بالغذاء والحماية والخدمات الطبية والصحية.

وأشارت إلى أن المنظمات الإنسانية الأجنبية بذلت جهوداً كبيرة في تقديم الخدمات للاجئين، لكنها تواجه نقصاً في الغذاء والموارد، الأمر الذي يحد من قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تجاوز عدد السودانيين الذين عبروا إلى تشاد منذ اندلاع الحرب 941 ألف شخص حتى أوائل أغسطس 2026، فيما جرى تسجيل أو تسجيل أولي لأكثر من 935 ألفاً منهم. حيث تأتي هذه الأعداد الجديدة فوق نحو 410 آلاف لاجئ سوداني كانوا موجودين في تشاد قبل اندلاع الحرب، ما رفع إجمالي اللاجئين السودانيين هناك إلى أكثر من 1.3 مليون شخص، بحسب الأمم المتحدة.

استغلال جنسي

تقول اللاجئة السودانية إن النساء في مخيمات اللجوء يواجهن ظروفاً أكثر صعوبة بسبب ضعف فرص العمل، موضحة أن بعضهن يتحملن مسؤولية إعالة أسر كاملة، ما يجعلهن أكثر عرضة للاستغلال والمخاطر.

وتحدثت اللاجئة عن حالات قالت إنها تعرضت للاستغلال الجنسي، من بينها اتهامات طالت عاملين في منظمة أطباء بلا حدود، مشيرة كذلك إلى أشكال أخرى من الاستغلال تتعرض لها نساء يعملن في المنازل أو على الطرقات.

وفي السياق ذاته، قالت باحثة اجتماعية تتابع أوضاع اللاجئين في مخيمات شرق تشاد، خلال مداخلة في برنامج “بودكاست دارفور24″، وطلبت عدم الكشف عن اسمها، إنها التقت إحدى النساء اللاتي قلن إنهن تعرضن للاستغلال الجنسي.

وأضافت الباحثة أن إحدى الحالات أسفرت عن حمل وولادة طفل عقب واقعة اعتداء جنسي، وفق إفادتها.

نساء فارات من الحرب في دارفور

وأوضحت أن إحدى الضحايا أفادت بأن أحد العاملين في منظمة أجنبية حاول استغلالها جنسياً مقابل تقديم بعض المساعدات، مشيرة إلى أنها كانت قد تعرضت كذلك للضرب في مدينة الفاشر.

وفي نوفمبر 2024، كشفت تحقيقات صحفية عن تعرض نساء وفتيات سودانيات في مواقع للنازحين واللاجئين بمدينة أدري شرقي تشاد، للابتزاز الجنسي من قبل عاملين في المجال الإنساني وأفراد من قوات الأمن المحلية. وأكدت الأمم المتحدة حينها أن هذه الاتهامات بالغة الخطورة، ورفعت مستوى التأهب المتعلق بمخاطر الاستغلال والانتهاك الجنسي في تشاد، معلنة إجراء تحقيق داخلي والتعاون مع السلطات المحلية والجهات الحقوقية.

وفي يونيو الماضي، كشفت نتائج تحقيق داخلي لأطباء بلا حدود، عن وجود 59 ادعاءً بالإساءة والاستغلال، وأدى إلى فصل 18 موظفاً ومنعهم من العمل مستقبلاً مع المنظمة.

المساعدات تحت وطأة الحرب

من جانبه، قال الدكتور صلاح الأمين، المستشار المستقل لعدد من المنظمات الأجنبية، إن اتفاقيات جنيف والقواعد المنظمة للعمل الإنساني تؤكد ضرورة السماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين في مناطق الصراع عبر ممرات آمنة.

وأضاف أن القانون الدولي الإنساني لا يحظى بالاحترام الكافي في السودان، مشيراً إلى أن أطرافاً مسلحة تتعامل مع المساعدات الإنسانية باعتبارها جزءاً من الصراع، في وقت يسعى فيه بعض المسلحين إلى تحقيق مصالح شخصية أو سياسية من خلال التحكم في المساعدات.

وقال إن بعض القوافل الإنسانية تعرضت للاستهداف أو المنع بحجة أنها تحمل أسلحة، معتبراً أن هذه الاتهامات لا ينبغي أن تكون مبرراً لاستهداف القوافل أو عرقلة وصول المساعدات إلى المدنيين.

وأشار إلى أن إغلاق المعابر التي تمر عبرها المساعدات الإنسانية لا يمثل حوادث منفصلة، وإنما أصبح نمطاً يحتاج إلى معالجة جادة.

وفي ما يتعلق بالاستغلال الجنسي، قال صلاح إن هذه الانتهاكات شهدتها مناطق نزاعات مختلفة في السابق، مستشهداً بتجارب في كمبوديا وليبيريا.

ودعا المنظمات الإنسانية إلى مراجعة سجلات العاملين لديها قبل التوظيف والتأكد من أهليتهم المهنية والأخلاقية، إلى جانب إلزامهم باللوائح ومدونات السلوك التي يوقعون عليها.

وأكد أهمية وجود آليات واضحة وآمنة لتلقي الشكاوى والتحقيق في أي انتهاكات، مع ضمان حماية الضحايا والشهود.

المدنيون خارج حسابات الصراع

من جانبه، قال الدكتور إدريس يوسف عبدالرحمن، الخبير في العمل الإنساني، إن من أبرز سمات الحرب الحالية في السودان أنها اندلعت من داخل العاصمة قبل أن تمتد إلى مناطق واسعة من البلاد، وهو ما أدى إلى نزوح ولجوء أعداد كبيرة من المواطنين.

وأوضح أن الحرب لم تؤثر على الجانب الأمني فقط، وإنما أدت إلى تدمير قطاعات واسعة من دورة الإنتاج، خصوصاً الزراعة والتجارة، الأمر الذي انعكس على قدرة الأسر والمجتمعات على توفير احتياجاتها الأساسية.

أثار قصف على سيارة خلال حرب السودان

وانتقد إدريس تصنيف المدنيين في مناطق سيطرة أحد أطراف الحرب باعتبارهم تابعين لذلك الطرف، وما يترتب على ذلك من حرمانهم من المساعدات الإنسانية.

وأكد أن تقديم المساعدة يجب أن يعتمد على الحاجة الإنسانية، وليس على الانتماء أو المنطقة التي يسيطر عليها أي طرف.

كما اعتبر أن منع المواطنين من الحصول على المستندات الرسمية، بما في ذلك جوازات السفر وشهادات الميلاد، يمثل خرقاً لحقوقهم، داعياً إلى عدم استخدام الخدمات المدنية والوثائق الرسمية كأدوات في الصراع.

هل تتحول الهدنة إلى مدخل للسلام؟

وحول الهدنة الإنسانية المطروحة، قال صلاح الأمين إن نجاح أي هدنة لا يرتبط بمجرد الإعلان عنها، وإنما بطريقة إدارتها والآليات الموضوعة لتنفيذها ومراقبتها.

وأشار إلى تجربة هدنة إنسانية سابقة في جنوب السودان، قال إنها جاءت عقب مجاعة طاحنة، وجرى التوصل إليها بين حكومة الصادق المهدي والحركة الشعبية بقيادة الدكتور جون قرنق، بحضور منظمة الأغذية العالمية.

وأوضح أن الطرفين اتفقا على هدنة إنسانية محدودة في شمال بحر الغزال، أتاحت للمنظمات الإنسانية الوصول إلى السكان المتضررين.

وأضاف أن تلك الهدنة أسهمت في خلق تفاهمات بين الأطراف، ومكنت منظمة الأغذية العالمية من أداء دور مهم في إيصال المساعدات، كما فتحت الطريق أمام عملية «شريان الحياة».

ويرى صلاح أن هذه التجربة يمكن أن تقدم درساً مهماً للسودان، مشدداً على ضرورة التفكير في كيفية تحويل أي هدنة إنسانية إلى خطوة أولى نحو وقف شامل لإطلاق النار وحل سياسي للحرب.

وقال إن إدارة الهدنة هي العامل الأساسي في تحديد نجاحها أو فشلها، وإن نجاحها يتطلب تفاهمات مسبقة على أعلى المستويات، وتنسيقاً بين الأطراف والجهات الإنسانية، فضلاً عن إشراك المجتمعات المحلية.

وأضاف أن غياب الإرادة السياسية، إلى جانب تعدد مراكز القرار داخل طرفي الحرب، يمثلان عقبة أمام التوصل إلى هدنة قابلة للاستمرار، مشيراً إلى وجود جهات قال إنها تستفيد من استمرار الحرب وتسعى إلى تأجيجها، في ظل انتشار السلاح وتعدد التشكيلات المسلحة.