عبد الهادي الحاج*

رغم الآثار القاسية التي خلّفتها الحرب في السودان على حياة الأشخاص ذوي الإعاقة، بما في ذلك النزوح وفقدان الخدمات وصعوبة الوصول إلى العلاج والمعينات الأساسية، فإن كثيراً منهم يواصلون محاولاتهم لتجاوز واقع الحرب واستعادة قدر من الاستقرار والعيش الكريم.

لا تتوفر حتى الآن إحصاءات دقيقة عن أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة المتضررين من الحرب، غير أن اتساع رقعة النزوح وتراجع الخدمات يشيران إلى أن أعدادهم كبيرة وأن احتياجاتهم تتزايد.

قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في فبراير الماضي، إن قوات الدعم السريع استهدفت أشخاصاً ذوي إعاقة، وأساءت معاملتهم وقتلت بعضهم، خلال سيطرتها على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في  أكتوبر 2025 وما تلا ذلك.

ونقلت عن ناجين وشهود عيان، أن القوات استهدفت بعض الأشخاص بسبب إعاقتهم، إذ اتهمت ذوي الإعاقات الجسدية بأنهم مقاتلون مصابون، كما سخرت من آخرين.

وأكدت المنظمة أن قتل المدنيين أو الأشخاص غير المشاركين في الأعمال القتالية، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة، يشكل جريمة حرب، وكذلك إخضاعهم لمعاملة قاسية أو مهينة أو مذلة، وأضافت أن هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ارتُكبت في إطار هجوم واسع النطاق ضد السكان المدنيين.

 

ويُشكل القانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى رأسه الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، المرجعية العالمية الأكثر شمولاً لتحويل التعامل مع هذه الفئة من منظور “الرعاية” إلى مظلة “الحقوق الكاملة”، حيث تفرض المادتان (15 و16) حماية صارمة تحظر تعريضهم للمعاملة القاسية أو التعذيب أو الاستغلال بجميع أشكاله.

ولا تتوقف الحماية عند أوقات السلم؛ إذ تُعد المادة 11 من الاتفاقية نصاً مفصلياً يُكلف الدول باتخاذ كل التدابير الممكنة لضمان أمن وحماية الأشخاص ذوي الإعاقة أثناء الطوارئ الكوارث الطبيعية والنزاعات المسلحة.

وفي ذات السياق، يتدخل القانون الدولي الإنساني المُستند إلى اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية ليمنحهم حماية مضاعفة؛ فإلى جانب حظر استهدافهم بصفتهم مدنيين، يُلزم القانون أطراف النزاع بتوفير معاملة خاصة تتضمن تسهيل إجلائهم الآمن، وتوفير الرعاية الطبية والإغاثية المخصصة لاحتياجاتهم دون أي تمييز. أما على المستوى المحلي، فإن “قانون الأشخاص ذوي الإعاقة القومي” لسنة 2017 جاء متسقاً مع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

غياب الإحصائيات الرسمية

لا توجد في السودان اليوم وبالتحديد قبل أو بعد الحرب إحصائية رسمية دقيقة حول عدد الأشخاص ذوي الإعاقة، بينما تُشير آخر إحصائيات رسمية إلى وجود أكثر من مليونَي شخص من ذوي الإعاقة في جميع أنحاء البلاد.

لكن مديرة منظمة أيادي لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة منى أبو القاسم، ذكرت خلال ورقة قدمتها بمركز سلاميديا في العاصمة اليوغندية كمبالا، أن الأشخاص ذوي الاعاقة يمثلون 15% من جملة السودانيين الذين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية نتيجة الحرب، أي ما يعادل 4.6 مليون شخص، بينهم 3.1 مليون يحتاجون إلى تدخلات إنسانية عاجلة.

وأبانت أن الحرب الجارية أدت إلى زيادة الإصابات المسببة لإعاقات دائمة بنسبة 300%، من بينها نحو 15 ألف حالة بتر، و40 ألف إصابة في العمود الفقري، و8 آلاف حالة فقدان بصر، و12 ألف حالة فقدان سمع كامل.

وأوضحت الورقة أن 65% من الإصابات ناتجة عن استخدام الأسلحة المتفجرة، و25% بسبب الرصاص والشظايا، و10% مرتبطة بظروف النزوح، وأن الإصابات تركزت جغرافياً بنسبة 45% في الخرطوم، و30% في دارفور، و15% في كردفان، و10% في مناطق أخرى.

جهود ومبادرات طوعية

في مواجهة هذه الفجوة، برزت جهود رسمية ومبادرات محلية طوعية سعت إلى دعم ذوي الإعاقة عبر الإجلاء والإيواء وتوفير المساعدات والخدمات النفسية والصحية، في محاولة لتخفيف آثار الحرب وتمكينهم من مواصلة حياتهم.

في ولاية كسلا، وخلال يوليو الحالي، اختتم مجلس الأشخاص ذوي الإعاقة مشروع “دعم إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية والتمكين الاقتصادي للأشخاص ذوي الإعاقة”. واستمر المشروع لأكثر من عام ونصف خلال الفترة من ديسمبر 2024 حتى يوليو 2026 بمنحة من الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي بتكلفة بلغت 440 ألف يورو وبتنفيذ من الجمعية الإيطالية للتضامن مع الشعوب ومنظمة قادرون للتنمية والشركاء الحكوميين. وبلغ عدد المستفيدين من المشروع 19 ألفاً و959 من الجنسين من المعاقين بمحليات كسلا وريفي كسلا وغرب كسلا.

كذلك من قلب هذه الظروف الإنسانية القاسية، برزت «ممرات آمنة ودور صديقة»، وهي مبادرة إنسانية طوعية سودانية، تأسست استجابة مباشرة لاندلاع الحرب في السودان في يونيو 2023، حاملةً هدفاً واضحاً يتمثل في ألا يُترك الأشخاص ذوو الإعاقة وأسرهم خلف خطوط الخطر.

انطلقت المبادرة التي تحولت لاحقاً إلى منظمة، في وقت كانت فيه المدن السودانية تشهد انهياراً متسارعاً للخدمات الأساسية، وتعطّل شبكات النقل والرعاية الصحية، وتزايداً في أعداد الأسر الفارة من مناطق القتال.

وبحسب رئيس المنظمة محمد محيي الدين، فإن مجموعة من الناشطين رأت، منذ اندلاع الحرب، ضعف التركيز على الأشخاص ذوي الإعاقة مقارنة بالفئات الأخرى، موضحاً أن ذلك دفع إلى إطلاق مبادرة لإخراجهم من مناطق القتال إلى مناطق آمنة، وفتح ممرات آمنة لنقلهم من الخرطوم إلى ولايات الجزيرة ونهر النيل والشمالية.

وذكر أن “المنظمة وفّرت الإيواء في مدينة ود مدني داخل معسكرات قائمة وأخرى جرى تخصيصها، ليبلغ عددها ثلاثة معسكرات، وأضاف أن تلك المعسكرات كانت في أوضاع متدهورة قبل تأهيلها وصيانتها، وتشغيل مطابخ مركزية فيها، بينما افتتُح معسكر واحد بولاية نهر النيل”.

وأوضح محيي الدين أن “أبرز التحديات في البداية تمثلت في ضعف المعلومات المتاحة، وقلة المنظمات المتخصصة في التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما المنظمات الأممية”، إلى جانب صعوبة الحصول على التمويل، وقال إن معسكرات ود مدني واصلت عملها حتى اجتياح المدينة بواسطة قوات الدعم السريع في ديسمبر 2023.

من ناحيته قال الأمين العام لاتحاد الصم بولاية الخرطوم أمين بابكر،ـ إن منظمة «ممرات آمنة وبيوت صديقة» ساعدتهم على إجلاء الصم من ولاية الخرطوم وأسرهم من مراكز النازحين بمدينة ود مدني، عبر ولاية سنار ثم القضارف، وصولاً إلى ولاية كسلا، في إطار الجهود الرامية إلى توفير الحماية والدعم لهم في ظل الظروف الإنسانية الصعبة.

الدعم النفسي وبناء القدرات

لم تنحصر استجابة «ممرات آمنة ودور صديقة» في الإجلاء والإيواء، بل امتدّت إلى الدعم النفسي وبناء قدرات الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز مشاركتهم في العمل الإنساني، غير أن هذه الجهود تواجه تحديات متواصلة، من نقص التمويل والكوادر إلى القيود الأمنية وضعف توفر الخدمات والمعينات الأساسية.

وأقامت المنظمة في يونيو الماضي، ورشة للدعم النفسي استهدفت 15 امرأة من الصم من مختلف محليات ولاية الخرطوم، بمدينة بحري، بحسب ما ذكر الأمين العام لاتحاد الصم بولاية الخرطوم، موضحاً أن الورشة هدفت إلى مساندة المشاركات نفسياً وتعزيز قدراتهن على التعامل مع آثار الحرب والنزوح. وأضاف أن الاتحاد يعتزم تنفيذ دورات تدريبية للكوادر الصم بدعم من المنظمة، بما يسهم في تطوير قدراتهم وتعزيز مشاركتهم في العمل الإنساني وخدمة مجتمع الصم.

*صحفي سوداني