تقرير: محمد هلالي*
في إقليم كردفان، بغرب السودان، أضحت الزراعة، وهي النشاط الموسمي الرئيس الذي يعيل المجتمع هناك؛ فعلاً محفوفاً بالمخاطر في حرب مفتوحة. فمنذ اندلاع القتال في أبريل 2023، تفكَّك النظام الزراعي في إحدى أهم مناطق الإنتاج في السودان، وحلَّت محله شبكات مُعقَّدة من السيطرة المُسلَّحة والجبايات والنهب. بين النزوح، وانهيار الأسواق، وتصاعد اقتصاد الحرب، يجد المزارعون في إقليم كردفان أنفسهم أمام واقع جديد: الزراعة لم تعد وسيلة للعيش، إنما استراتيجية للبقاء.
فاطمة، مُزارعةٌ من منطقة هبيلا على الحدود بين شمال وجنوب كردفان، نزحت ثلاث مرات منذ اندلاع الحرب، بحسب إفادتها. وخلال نزوحها، أقامت في مناطق يُسيطر عليها الجيش السوداني، وأخرى تحت سيطرة قوات الدعم السريع، لكنها لا ترى أيَّ فرق بين الحالتين! وخلال الحرب، مرض زوجها وتوفي بسبب استحالة الوصول إلى الرعاية الصحية.
لم يتبقَّ من حياتها السابقة سوى الذكريات. تقول: “توقفنا تماماً عن زراعة المحاصيل النقدية مثل الفول السوداني وغيره. حالياً نزرع فقط محاصيل غذائية يُمكن بيعها محلياً، لأن نقلَ المحاصيل النقدية إلى الأبيض أمرٌ خطيرٌ ومُكلف، وغالباً ما ينتهي بالنهب”.
وتضيف أن المحاصيل تُصادر أحياناً بالقُوَّة، وفي أحيانٍ أُخرى كان مُسلَّحون يَعرِضون شراءها بأسعار لا تُغطِّي حتى تكاليف الإنتاج. أما التفاوض ذاته، فيجري عبر وسطاء مُرتبطين بالجهة المُسيطرة على الأرض.
لم تكن قصة فاطمة حالة فردية، إنها تمثل نموذجاً لما آل إليه إقليم كردفان، حيث تحوّلت الزراعة من مصدر رزق إلى استراتيجية للبقاء.
من سلة غذاء إلى ساحة موت
قبل أبريل 2023، كانت كردفان من أكثر مناطق السودان إنتاجاً. فولاية جنوب كردفان وحدها تحتضن نحو 35% من الأراضي الزراعية في البلاد، وكانت تُنتج محاصيل غذائية، إلى جانب السمسم والفول السوداني والقطن والصمغ العربي، كما كانت مراعيها تدعم ملايين الرؤوس من الماشية. وتُعَدُّ مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان وتقع شمالَ الإقليم، مركزاً تجارياً محورياً لكل هذا الإنتاج. لكن الحرب لم تُعطِّل هذا النظام فحسب، إنما فككته واستبدلته بنظام عسكري، وأضحت السيطرة المسلحة هي التي تُحدِّد الوصول إلى الأرض والتجارة والتنقل؛ إذ لم تعد القوانين أو الأسعار هي الحاكمة، في الوقت الذي باتت فيه الزراعة نشاطاً عالي المخاطر مرتبطاً بخطوط المواجهة.
يُوضِّح الصحفي والناشط السياسي، الغالي صالح، أن الأرض نفسها أصبحت موقعاً للعنف، مضيفاً: “المُزارع لم يعد يذهب إلى الحقل واثقاً، إنه يذهب وهو يحمل خوفه في قلبه، أو لا يذهب على الإطلاق”. ويضيف الغالي: “ضاعت مواسم زراعية لثلاث سنوات، وتُركت الحقول، وانسحبت مجتمعات كاملة من الزراعة، ليس لغياب الأرض، بل لأن الوصول إليها أصبح مُميتاً”.
احتدام للقتال وغياب لأرقام الإنتاج
اليوم، كردفان مقسّمة عسكرياً واقتصادياً. يُسيطر الجيش على أجزاء من شمال كردفان ومُدنٍ رئيسةٍ في مناطقها الشرقية مُتاخمة لولاية النيل الأبيض، إضافة إلى الدلنج وكادقلي المُحاصرتين في جنوب الإقليم، بينما تُهيمن قوات الدعم السريع وحلفاؤها، بما في ذلك فصيل من الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، على مناطق واسعة في جنوب كردفان وغربها، إضافة إلى المناطق الحدودية مع دولة جنوب السودان.
لقد انعكس هذا الانقسام بنحوٍ واضحٍ على الاقتصاد وعمليات الإنتاج في الإقليم الغني.
المراعي الغنية، الأراضي الزراعية، مناطق الصمغ العربي، وحتى مواقع تعدين الذهب، جميعها تقع على خطوط التماس بين القوات المُتحاربة، ومن يسيطر على الأرض، يسيطر على الضرائب والتجارة واستخراج الموارد، وحياة الناس والمنتجين أيضاً.
ووفقاً لتقرير تحليلي مُدعَّمٍ بصور الأقمار الصناعية صدر في مارس 2024، أعدَّته منظمة ميرسي كوربس الأمريكية، فإن معظم الأراضي الزراعية في جنوب كردفان تُواجه ظروفاً غير مُواتية للإنتاج، بسبب النزوح وغياب المُدخلات وانهيار الأسواق، إلى جانب تغيُّر أنماط الأمطار. وأشار التقرير التحليلي للمنظمة التي تُعد من أبرز المُنظَّمات العالمية العاملة في مجال الإغاثة والتنمية، إلى أنه “مع استمرار الاشتباكات في مناطق مثل الدلنج وكادوقلي، تتضاءل فرص الزراعة في موسم 2026″، مبيناً أنه “فقط مناطق محدودة مثل العباسية، التضامن، وهبيلا، قد تُسهم بإنتاج غذائي، لكنه يبقى محدوداً للغاية”.
لقد كان السودان يوفّر نحو 80% من الصمغ العربي عالمياً، بإنتاج سنوي يصل إلى 50 ألف طن، والآن لا توجد أي إحصائية لهذا الإنتاج إطلاقاً. رغم ذلك، يُوضّح الفاتح علي ديمو، وهو واحد من كبار تجار الصمغ العربي من مدينة الأبيض، أن الإنتاج لا يزال مستمراً لكن بنحوٍ غير منتظم؛ ففي مناطق سيطرة الجيش، يمكن التسويق محلياً بشروط صعبة، بينما في مناطق سيطرة الدعم السريع يجري فرض إتاوات أو مُصادرة الإنتاج.
يقول المهندس الزراعي، بابكر محمد مضوي، من جبال النوبة الشرقية، إن المحاصيل النقدية مثل السمسم والقطن اختفت تقريباً بسبب نقص المدخلات واستحالة التسويق، مضيفاً أنه حتى الذرة، التي تُعَدُّ الغذاء الأساسي لسكان تلك المناطق، شهدت تراجعاً حاداً، عازياً الأمر إلى انعدام الأمن، الذي “لم يعد توفّره أي جهة نظامية أو غيرها، فالمجتمعات أصبحت تحمي نفسها بنفسها، تحمي المراعي وطرق التجارة وما تبقَّى من مصادر رزق”.
ماضٍ يُحدِّد ملامح الحاضر
ما يحدث اليوم هو امتداد لعقود من عسكرة الاقتصاد في السودان. وخلال حكم الرئيس السوداني المخلوع، عمر البشير، وُجِّهَتْ موارد الدولة نحو الأمن والدفاع على حساب الخدمات الأساسية، وجرى دمج الأجهزة الأمنية في النشاط الاقتصادي. وفي ذات العهد البائد تحوَّلت قوات الدعم السريع، منذ سيطرتها على مناجم الذهب في دارفور، إلى قوة اقتصادية مُستقلَّة تُموّل نفسها خارج الدولة. وبالتالي، لم تخلق الحرب الحالية هذا النموذج للمرة الأولى، إنما أطلقت نموذجاً سابقاً، ولكن هذه المرة بلا قيود.
ويرى الاقتصادي والخبير التنموي، حسن علي سنهوري، أن مستقبل كردفان يعتمد على كيفية إدارة الموارد، لا فقط على من يسيطر عليها، مبيناً أنه “إذا استمر الوضع الحالي، ستتحوَّل الزراعة إلى إنتاج محلي محدود، وسيبقى المزارعون تحت رحمة وسطاء الحرب؛ فحتى لو توقفت المعارك، قد يستمر اقتصاد الحرب”.
في كردفان، لم تعد الحرب مجرد عامل يعرقل الاقتصاد؛ لقد أصبحت بديلاً عنه. فالسلاح اليوم هو من يحكم الأسواق، ويوجّه الموارد، ويتحكّم في حركة الناس، مُحوّلاً المراعي والأراضي الزراعية، إضافة إلى غابات الصمغ العربي ومناجم الذهب؛ إلى غنائم ضمن اقتصاد حربٍ متوسّع.
ومع ذلك، في كردفان، ما زالت الأرض تُنتج، لكن العائد لا يصل إلى أصحابها. فبالنسبة لفاطمة، وغيرها من المنتجين على الأرض، فإن السلام ليس مجرد غياب لصوت الرصاص، أو توقف للمعارك بين الأطراف المُتقاتلة. إن السلام هو أن تعود فاطمة إلى أرضها دون خوف، وأن تزرع لتعيش، لا لتنجو فقط، وأن تستعيد الأرض معناها، ويستعيد إنسانها كرامته ومقدرته على العمل.
إن إحلال السلام ليس خياراً سياسياً فحسب، أو اتفاقاً فوقياً بين أطراف تحمل السلاح وقوى مدنية توالي هذا أو ذاك. إنه ضرورة إنسانية عاجلة لإنقاذ ما تبقى من إنتاج وحياة.
*صحفي سوداني

