الفاشر – دارفور24
حذر مواطنون وخبراء زراعيون من فشل الموسم الزراعي للعام الثاني على التوالي في ولاية شمال دارفور، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاقم خطر المجاعة، في ظل اعتماد السكان بشكل كبير على الإنتاج الزراعي وغياب المساعدات الإنسانية عن معظم المناطق واقتصارها على مناطق محددة.
ومع بداية شهر يونيو من كل عام، يبدأ سكان مدينة الفاشر والمحليات المجاورة في تنظيف الأراضي الزراعية استعداداً لموسم الخريف وزراعة المحاصيل المطرية، مثل الدخن والذرة بمختلف أنواعها والفول السوداني وحب البطيخ والبامية. غير أن موسم الخريف هذا العام يختلف عن سابقه، عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي، بسبب النزوح وانعدام الأمن.
وخلفت الحرب والنزوح أوضاعًا كارثية في مختلف مناحي الحياة، من بينها القطاع الزراعي، ما تسبب في تقليص مساحات واسعة من الأراضي المزروعة خلال الموسم الماضي، وفقًا لشهود عيان ومصادر محلية متطابقة.
وأفاد سكان محليون وخبراء زراعيون بخروج نحو 80% من المساحة الكلية المستخدمة في الزراعة بشمال دارفور، خاصة في مناطق الإنتاج بمحليات مليط ودار السلام وكلمندو والطويشة، وأم كدادة واللعيت جار النبي، وريفي الفاشر شمالًا وغربًا وجنوبًا، إضافة إلى المحليات الغربية مثل كتم والطينة وأمبرو وكرنوي.
نقص التمويل
وقال عاصم محمد، وهو أحد المزارعين المحليين في بلدة كلمندو، جنوب شرق الفاشر، لـ”دارفور24″، إن أسباب تقليص المساحات الزراعية تعود بالدرجة الأولى إلى نقص التمويل وارتفاع تكاليف زراعة الفدان الواحد، إلى جانب انخفاض أسعار المحاصيل الزراعية نتيجة لانعدام الأسواق الخارجية واقتصار البيع على السوق المحلية.
وأوضح أن سعر جوال الفول السوداني لا يتجاوز 40 ألف جنيه، في حين تبلغ تكلفة زراعة الفدان الواحد نحو 300 ألف جنيه سوداني، رغم أن إنتاجه يتراوح بين 8 و10 جوالات، ما يؤدي إلى خسائر مباشرة للمزارعين.
وأضاف: “في هذا الموسم سأزرع فدانًا واحدًا فقط من الفول السوداني، بعد أن كنت أزرع أكثر من 20 فدانًا في المواسم السابقة”.
وفي مدينة كبكابية، الواقعة على بعد نحو 155 كيلومترًا غرب الفاشر، أبلغ عدد من السكان المحليين “دارفور24″ بانحسار عمليات تنظيف الأراضي الزراعية استعدادًا للموسم الجديد في المناطق المحيطة بالمدينة فقط.
وعزت حنان يوسف أحمد ضعف الإقبال على الزراعة هذا الموسم إلى الانتهاكات الواسعة التي تعرض لها المزارعون خلال الموسم الماضي أثناء حصاد المحاصيل ونقلها إلى المدينة من المناطق البعيدة، خاصة الأراضي الزراعية الواقعة بمحاذاة وادي باري.
وأوضحت لـ”دارفور24” أن معظم المزارعين اتجهوا إلى استئجار أراضٍ قريبة من المدينة والتخلي عن الأراضي البعيدة بسبب الأوضاع الأمنية، وارتفاع تكاليف الحراثة، وضعف العائد المالي من عمليات الحصاد.
حوادث نهب
من جانبه، قال أحمد الطيب، أحد قادة الإدارة الأهلية في شمال دارفور، لـ”دارفور24″، إن مدينة كبكابية شهدت وحدها مقتل أكثر من 10 مزارعين في حوادث نهب متفرقة، إضافة إلى إتلاف محاصيل أكثر من 90 مزرعة.
وأكد أن الموسم الحالي لن يشهد زراعة مساحات واسعة بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية، إلى جانب ضعف رغبة السكان في زراعة الأراضي البعيدة بسبب انعدام الامن واتلاف المزارع من قبل الرعاة دون تدخل سلطات الأمر الواقع.
وفي مدينة مليط، الواقعة على بعد نحو 65 كيلومترًا شمال الفاشر، قال سكان محليون إن معظم سكان القرى والمناطق الزراعية نزحوا إلى داخل المدينة، خاصة من منطقة أم مراحيك الواقعة على بعد 25 كيلومترًا جنوب مليط، إضافة إلى بلدة الصياح وعدد من القرى الواقعة غرب وشمال المدينة.
وأوضح أحد السكان المحليين لـ”دارفور24″ أن معظم الأهالي يفضلون زراعة الدخن لتوفير الغذاء لأسرهم وفي مساحات محدودة، دون التوسع في الزراعة بغرض الاستثمار وتحقيق الأرباح.
وتسبب القتال في مدينة الفاشر والحصار المفروض عليها في نزوح سكان أكثر من 40 قرية ومنطقة في ريف الفاشر، بعد أن شهدت بعض المناطق أحداث عنف قبلي وهجمات مسلحة. ومن بين هذه القرى سرفاية وشقرة وأب جربون وقولو وقوز النعيم وقوز أبو زريقة، إلى جانب تدهور الوضع الأمني في مناطق شنقل طوباي جنوب غرب الفاشر.
ووفقًا لشهادات السكان، تتميز هذه المناطق بامتلاكها أراضي زراعية واسعة تنتج كميات كبيرة من الذرة والدخن والسمسم والفول السوداني والعدسية.
توقف المشاريع الكبرى
وقدّر الخبير الزراعي مختار أحمد خروج نحو خمسة ملايين فدان من دائرة الإنتاج الزراعي في شمال دارفور، إضافة إلى التوقف الكامل لمشروع ساق النعام الزراعي، الذي تتجاوز مساحته 160 ألف فدان، ومشروع أم بياضة الزراعي الذي تزيد مساحته على 100 ألف فدان، وهما من أكبر المشروعات الزراعية في الولاية.
وقال مختار إن أبرز التحديات التي تواجه الزراعة خلال الموسم الحالي تتمثل في القيود المفروضة على حركة الصادر بعد حظر تصدير المحاصيل إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش من قبل قوات الدعم السريع، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الزراعة نتيجة زيادة أسعار الوقود والعمالة، وضعف الإقبال على شراء المحاصيل بكميات كبيرة، وانعدام الأمن، وتلف المزارع بسبب اتلاف المزارع بإدخال الرعاة الماشية فيها قبل الحصاد خلال المواسم الثلاثة الماضية.
وأوضح أن شمال دارفور تعتمد بشكل أساسي على الذرة والدخن كغذاء رئيسي للسكان، إضافة إلى الفول السوداني وحب البطيخ والسمسم والتبغ كمحاصيل نقدية، مشيرًا إلى أن المساحات المزروعة بهذه المحاصيل تراجعت إلى أقل من 5% مقارنة بآخر إحصائية أجريت عام 2022.

