تقرير – دارفور24
يهدد شح الأمطار وفشل المحاصيل الزراعية الموسم الزراعي في إقليم دارفور خلال العام الجاري، وسط مخاوف من اتساع الفجوة الغذائية وتفاقم الأوضاع المعيشية، في ظل استمرار الحرب والنزوح واضطراب الأسواق وتراجع قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة الصدمات المناخية.
ويزيد تراجع المراعي وشح المياه من الضغوط على الثروة الحيوانية، كما يسهم في تصاعد الاحتكاكات بين المزارعين والرعاة، في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية تحديات متزايدة تحول دون وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة.
وقال مزارعون في دارفور إن انقطاع الأمطار لفترات طويلة أدى إلى تلف مساحات واسعة من المحاصيل، وتراجع المساحات المزروعة مقارنة بالأعوام الماضية، محذرين من تداعيات ذلك على الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء خلال الفترة المقبلة.
وقال أحد المزارعين لـ”دارفور24″ إن الموسم المطري بدأ بصورة مبشرة، قبل أن تنقطع الأمطار لفترات طويلة بلغت، بحسب إفادته، نحو 50 يوماً، ما أدى إلى احتراق المحاصيل، بما فيها الفول والذرة، وانعدام الإنتاج تقريباً في منطقته، فضلاً عن تدهور الأعلاف.
وأضاف أن المناطق المتضررة تحتاج إلى تدخل عاجل من برنامج الأغذية العالمي والمنظمات الإنسانية للوصول إلى السكان وتوفير المساعدات اللازمة.
وفي جنوب دارفور، قال مزارع اخر لـ”دارفور24″ إنه لم يتغيب عن العمل الزراعي منذ عام 2012، لكنه لم يتمكن من ممارسة الزراعة هذا العام بسبب تدهور الموسم المطري، واصفاً مستوى شح الأمطار بأنه غير مسبوق خلال نحو 30 عاماً.
وأشار إلى أن المساحات المزروعة تقلصت بصورة كبيرة، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار، متوقعاً حدوث فجوة واسعة في المحاصيل الزراعية. وأضاف أن تراجع المراعي دفع الرعاة إلى الاقتراب من المناطق الزراعية المحدودة، ما زاد الاحتكاكات بينهم وبين المزارعين، في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية وصعوبة الحصول على المياه.
ولفت المزارع إلى انتشار مرض بين الأبقار أثار مخاوف الرعاة، قائلاً إنهم لم يتمكنوا من العثور على علاج له.
وقال الأستاذ سعيد يعقوب، في حديث إلى “دارفور24″، إن الجفاف في دارفور لم يعد مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل أصبح عاملاً ضاغطاً يتداخل مع الحرب والنزوح وضعف الأسواق وهشاشة المجتمعات التي تعتمد على الزراعة المطرية والرعي.
وأشار إلى أن الإقليم شهد موجات جفاف كبرى في أعوام 1972 و1975 و1984، موضحاً أن موسم 2026 يأتي في ظروف أكثر تعقيداً، بسبب تزامن شح الأمطار مع تراجع قدرة الدولة على الاستجابة للأزمات.
وأوضح يعقوب أن تأثير تأخر الأمطار يتدرج عبر أربع مراحل، تبدأ بتأخر انطلاق الموسم الزراعي من 20 إلى 30 يوماً، كما حدث في شمال دارفور وشمال كردفان، ثم تعثر إنبات البذور المزروعة بالفعل.
وأضاف أن مسحاً ميدانياً في شمال دارفور أظهر، بحسب ما أورده، أن 99 في المئة من بذور المحاصيل لم تجد مياه كافية للإنبات، فيما اضطرت مناطق في شرق دارفور إلى إعادة البذر مرات متكررة.
وحذر من أن المرحلة الأخطر تتمثل في الفشل الكامل للموسم، عندما تضطر الأسر إلى استهلاك مخزون البذور المخصص للعام المقبل، ما لا يهدد إنتاج الموسم الحالي فحسب، بل يضعف قدرتها على استئناف الزراعة في الموسم التالي.
وذكر أن الدخن والذرة من أكثر المحاصيل تأثراً في دارفور، إلى جانب السمسم والفول السوداني، مشيراً إلى تقارير عن تلف مساحات واسعة من المحاصيل في مناطق مختلفة، بينها أبو جبيهة. وأضاف أن الارتفاع الحاد في أسعار المحاصيل يمثل مؤشراً على عمق الأزمة، وفق تقديره.
وعن كيفية تعامل الأسر مع فشل المحاصيل، قال يعقوب إن الاستجابة تبدأ باستهلاك ما تبقى من مخزون الغذاء، ثم قد تلجأ بعض الأسر إلى استهلاك بذور الزراعة أو استخدامها في محاولات جديدة للبذر، وهي خيارات تنطوي على مخاطر تهدد قدرتها على الإنتاج في الموسم المقبل.
وأضاف أن الأسر الأكثر تضرراً قد تضطر إلى بيع مواشيها أو النزوح بحثاً عن الغذاء والمياه ومصادر العيش.
ولا تقتصر تداعيات الجفاف على المحاصيل، إذ تتأثر الثروة الحيوانية أيضاً بارتفاع درجات الحرارة والإجهاد الحراري وزيادة معدلات التبخر، إلى جانب جفاف المراعي قبل موعدها المعتاد.
وبحسب يعقوب، أسهمت هذه الظروف في نفوق أكثر من 30 بقرة خلال أسبوع واحد في محلية ياسين، نقلاً عن مسؤول في مجلس تنسيق غرف الطوارئ، فضلاً عن نفوق مئات الرؤوس من الماشية في مناطق جبل عيسى وقرى بشمال دارفور.
وأوضح أن نقص المياه والأعلاف أدى إلى تراجع خصوبة الماشية وانخفاض إنتاج الحليب، كما دفع القطعان إلى التحرك مبكراً نحو المراعي الجنوبية بحثاً عن الكلأ.
وحذر يعقوب من أن تقلص المراعي وتراجع المساحات المتاحة للرعي يفاقمان الاحتكاكات بين المزارعين والرعاة، مشيراً إلى حوادث دخلت فيها قطعان الماشية عشرات المزارع على امتداد وادي بالي في بلدة بشمال دارفور.
وأضاف أن التوترات وصلت، بحسب إفادته، إلى إطلاق بعض الرعاة المسلحين النار على المزارعين، في ظل تقلص المراعي البعيدة وتركيز النشاط الزراعي في أراضٍ قريبة من المدن.
وأشار إلى أن الجفاف وانعدام المياه قد يدفعان السكان إلى النزوح حتى في غياب المواجهات المسلحة المباشرة، مستشهداً بأوضاع في مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، قال إنها شهدت موجة نزوح ارتبطت بمخاوف فشل الموسم الزراعي ونقص الغذاء.
كما أشار إلى تحركات سكانية مرتبطة بتراجع المراعي في شمال دارفور، حيث اضطرت أنشطة زراعية إلى الانتقال نحو الأراضي القريبة من التجمعات السكانية، في نمط من النزوح المرتبط بالضغوط المناخية وتراجع الموارد.
وقال يعقوب إن الحرب جعلت المجتمعات المحلية أقل قدرة على تحمل آثار الجفاف مقارنة بالماضي، مشيراً إلى مؤشر جامعة نوتردام الأمريكية، الذي يقيس مدى تعرض الدول لمخاطر تغير المناخ وقدرتها على الاستعداد لها والاستجابة لتداعياتها.
ووفقاً للأرقام التي أوردها، يحتل السودان المرتبة 184 من بين 187 دولة في المؤشر من حيث الجاهزية، فيما يواجه مستويات مرتفعة من المخاطر المناخية وقدرة محدودة على الاستجابة، بحسب آخر تحديث أشار إليه لعام 2026.
وأضاف أن ضعف الاستجابة يجعل المخاطر المناخية، سواء تمثلت في الجفاف أو السيول، مرشحة للتحول إلى أزمات إنسانية واسعة، خصوصاً في ظل استمرار الحرب وتراجع إمكانات التدخل الحكومي.
وحدد يعقوب أربعة محاور للتدخل العاجل للحد من تداعيات فشل الموسم الزراعي في دارفور.
ويتمثل المحور الأول في تقديم مساعدات غذائية عاجلة للمناطق المهددة بالجوع، ولا سيما المناطق التي حذرت شبكة نظم الإنذار المبكر بالمجاعة من احتمال انزلاقها إلى المرحلة الخامسة من التصنيف، وهي مرحلة المجاعة، في وقت يحتاج فيه ما بين 22 و23 مليون شخص في السودان إلى مساعدات إنسانية، وفق الأرقام التي أوردها.
أما المحور الثاني، فيتعلق بتوفير مصادر مياه بديلة وحفر آبار جديدة بصورة عاجلة لمواجهة شح الأمطار، فيما يشمل الثالث توفير بذور مقاومة للجفاف وقصيرة دورة النمو للموسم الزراعي المقبل، قبل استنزاف الأسر مخزونها من البذور.
ويتمثل المحور الرابع في توفير الحماية الأمنية للمناطق الزراعية والحد من النزاعات بين المزارعين والرعاة، التي تتفاقم مع تراجع الموارد المائية والمراعي.
وختم يعقوب بالقول إن استمرار الحرب يفاقم آثار الأزمة المناخية ويضعف قدرة الدولة على الاستجابة، بالتزامن مع تعقيدات تواجه وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.
وأضاف أن وقف الحرب يمثل عاملاً أساسياً لتهيئة الظروف اللازمة لمعالجة الأزمة، محذراً من أن استمرارها سيحول دون تحقيق تقدم في مواجهة التداعيات الزراعية والإنسانية.


