ميسون عبد الحميد*
يسعى هذا المقال إلى رصد تجربة المسرح وقضايا النزاع في السودان خارج دائرة المفهوم التقليدي للمسرح، راصداً تجارب السنوات الثلاث الأخيرة، من حرب الخامس عشر من أبريل 2023 حتى 2026، وباحثاً في مدى تأثير هذه التجربة في عملية التنمية والسلام في السودان، في المستقبل القريب منه والبعيد. ويُلقي المقال نظرة إلى تجارب مسرحية عُرضت أثناء الصراع المُسلَّح الدائر الآن في السودان، وقد حظيت هذه التجارب باستفادة كبيرة من المسرح التطبيقي التفاعلي في مناطق النزوح، وهو ما دفع إلى تسليط الضوء عليها، وإلى النظر في توظيف المسرح التفاعلي بوصفه وسيلة اتصال مباشر في ظل تنامي ثورة الاتصالات والثورة الرقمية.
تُعَدُّ ثورة العروض المسرحية التي تفجّرت في معسكرات النازحين أثناء الحروب الأهلية في السودان، وهي الحروب التي تُصنَّف بين الأطول في تاريخ القارة الأفريقية، من حرب الجنوب وجبال النوبة وحتى حرب دارفور، ثم اتساع دائرة الحرب اليوم لتبلغ العاصمة الخرطوم ومدناً أخرى؛ تعد تلك العروض تعبيراً فكرياً وجمالياً واعياً عن ما يُمكن أن نسميه الثقافة المُضادَّة لثقافة الحرب؛ بخاصة إن وضعنا في الاعتبار أن هذه العروض ليست حدثاً فنياً عارضاً، إنما تعبيرٌ عن موقف من الحرب نفسها، وإعلان عن قدرة الجماعية على إنتاج المعنى في أقسى اللحظات.
والشاهد أن التجربة المسرحية السودانية، على الرغم من افتقارها إلى مقومات البنية التحتية في كثير من المدن، لا تزال تعيش حالة استثنائية فرضتها ظروف الحرب. فالحرب، وإن لم تتمكن من إيقاف النشاط المسرحي، فقد أعادت تموضعه، وأثرت في تماسك الفرق، وشلّت المؤسسات الرسمية المعنية برعاية الحركة المسرحية، وخربت دور العرض في المدن التي طالتها يدها. إلا أن ذلك كله لم يوقف العروض والورش والدورات التدريبية التي لامست كثيراً من القضايا المجتمعية والمعارف والتراث، ولا سيما قضايا النزاع، واشتغلت على دور المسرح في التنمية والسلام المجتمعي، وإن جرى ذلك في الغالب دون تحديد دقيق لمفهومَي التنمية والسلام. ومع هذه التجربة المُمتدَّة بامتداد تاريخ الحروب الأهلية في السودان، يظلُّ المجتمع في حاجة إلى مسرح مُتّصل به في أي مكان يوجد فيه. ومن هنا كان لا بدَّ للمسرحيين من البحث عن أشكال جديدة تتجاوز المسرح التقليدي المحصور في خشبات المسارح، فكان الاتجاه إلى المسرح التفاعلي ومسرح المقهورين ومسارح المنبر التي أسَّس لها المسرحي البرازيلي المعروف أغستو بوال؛ وهي في اعتقادي الإطار النظري والتطبيقي الأنسب لمناقشة قضايا النزاع مع الجمهور.
نظرة إلى مسرح ما بعد حرب أبريل
تشير الأرقام إلى عدد كبير نسبياً من العروض التي قُدِّمَت في السنوات الثلاث الأخيرة، أي بعد حرب الخامس عشر من أبريل، وقد بلغ عددها اثنين وسبعين عرضاً مسرحياً في الولايات وتسعة عشر عرضاً في دول اللجوء، إضافة إلى ثلاثة مهرجانات أُقيمت في ولايات النيل الأزرق ونهر النيل والبحر الأحمر، وفقاً لتقارير أعدها سعد يوسف وباحثون آخرون لصالح الهيئة العربية للمسرح.
إن الناظر إلى تجربة مسرح البنات بقيادة وليد الألفي بالدمازين في 2023، التي سماها مشروع “مسرح الشدة”، يجد أنها عملت على تدريب سبعين متدرباً من الجنسين، وشارك أكثر من مائة وثلاثين من المدربين والفنيين والمشرفين والإداريين في تنفيذ مشروعاتها، وأنتجت خمسة عروض مسرحية، وقدمت ثلاثة عشر عرضاً في ثلاث محافظات بإقليم النيل الأزرق، ووصلت إلى ما يقارب خمسة آلاف متفرج، كما بُثت فعالياتها على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت، وهو ما يُعَدُّ توسيعاً لدائرة وصول الفنون المسرحية إلى المجتمعات المحلية ومناطق النزاع. وكذلك تجربة مهرجان المسرح الحر في دورته الثامنة، وهي دورة فريدة في نوعها، إذ أقيمت في دور إيواء النازحين بمدينة كوستي، وكان لها أثرها الكبير في جمهور النازحين، وأجابت عن أهم سؤال يواجه المسرح: هل هو ضرورة حياتية أم ضرورة فنية؟ فقد كان المتنفس الوحيد للتسلية والترفيه ومناقشة هموم الناس. وإلى جانبها تجارب مهرجان بورتسودان باتحاد الأدباء والفنانين ببورتسودان، وتجارب المخرج ربيع يوسف في مدني وبورتسودان، وغيرها من التجارب التي دعت جميعها إلى السلام والأمن الاجتماعي والعدالة، عبر الحوار والوعي النقدي وتحمل المسؤولية ومشاركتها مع الآخر.
سمات العروض المسرحية خلال الحرب
إن استمرار الأزمات والصراع المُسلَّح وتعدد الجيوش في السودان، مقروناً بالاضطراب في الحالة الاقتصادية، أدى إلى تأثير واضح على الحالة السياسية، وانعكس ذلك بدوره على المسرح الساعي بدوره التنويري بالسلام. لقد تشاركت معظم العروض المسرحية في فترة الحرب اتجاهها إلى المسارح البديلة الموجودة في مناطق النازحين، مهرجانات كانت أم عروضاً مفردة. وتميز المسرحيون بتقديم عروضهم في أماكن مختلفة لا تتوافر فيها خشبات مجهزة بالإضاءة والديكور والأزياء، فاعتمدوا على صوت الممثل وجسده وحدهما. فالعرض حيثما ذهب إلى الجمهور في موقعه، استطاع أن يَخلق لنفسه مساحة تَفصله عن المتفرجين في غالب الأحيان، وكثيراً ما اتخذ الشكل الدائري، وهو من الأشكال الشعبية الشائعة في السودان في المُمارسات والطقوس الشعبية والدينية كحلقات الذكر وغيرها، بما تحمله من دلالات فكرية وفلسفية واجتماعية على المستوى الشعبي وعلى مستوى التكوينات الهندسية.
وتتشابه هذه التجارب في ملامح عامة يمكن رصدها. فالمجموعات المسرحية تخرج بعروضها متنقلة بالعرض الواحد بين معسكرات النازحين ودور الإيواء، وتتناول في موضوعاتها مشكلات النازحين وقضايا الحرب والسلام، ويشارك فيها مسرحيون نازحون من العاصمة والولايات المنكوبة إلى جانب مسرحيي الولاية المعنية، ويتكون جمهورها من النازحين وسكان المدن والقرى المُستضيفة. وغالب هذه العروض مفتوح لمشاركة المتفرجين في الأحداث، ومجاني في الوقت نفسه، وقد أُنجز كثيرٌ منها بدعم من المنظمات ذات الصلة التي تهتم بقضايا السلام.
والرهان الأساسي لهذا النوع من المسرح هو السعي إلى إيجاد الحلول الممكنة للقضايا والتحديات التي تواجه المجتمعات بصورة عامة، وتلك التي خرجت لتوها من الصراعات الأهلية والمسلحة بصورة خاصة، فهي مجتمعات تعاني إرهاصات فترات الصراع وما بعد الصراع، وتتطلب العمل الجماعي والتكاتف للحيلولة دون انهيارها، وتخفيف تأثيرات الصدمة، وتغيير الراهن المُتشظِّي.
ووفقاً للتقارير التي أشرنا إليها آنفاً، والتي أعدها سعد يوسف وباحثون آخرون لصالح الهيئة العربية للمسرح؛ اتخذت العروض المسرحية خلال الحرب في أغلبها مناهج المسرح التطبيقي ومسرح التغيير الاجتماعي منهجاً لها. ومن أهم آليات هذا المسرح وتقنياته آلية تفعيل الحوار والتداول بين الجمهور والتفاكر حول الحلول الممكنة. ولمعرفة مزيد عن تقنيات مسرح التغيير الاجتماعي يمكن الرجوع إلى كتاب جاستن جون بيلي “المسرح والحرب”. إن هذا النوع من المسرح قادر على منح فرص للتفاعل وتبادل الرؤى بين الجهات المُتنازعة، وقد يخرج بحلول ورؤى جديدة؛ وهو – في تقديري – يُجسِّد مرحلة مُهمَّة لتجسيد مفهوم الحوار وصولاً إلى الهدف الأساسي، وهو تأسيس التغيير عبر تدريب المجتمع على اتخاذ خطوات عملية في الواقع الحياتي، ولا سيما فيما يتعلَّق بقضايا النزاع والصراعات المسلحة وخطاب الكراهية وغيرها.
مسرح المقهورين ولعبة الحوار
في مثل هذه المنابر، كما يقول أغستو بوال، يستطيع مسرح المقهورين أن يُفعِّل لعبة الحوار: “نحن نلعب ونتعلم معاً، وكل أنواع الألعاب تخضع لنظام وأحكام واضحة يجب العمل بها، وفي الوقت نفسه لهذه الألعاب حاجة مطلقة إلى الإبداع والحرية؛ فنظام لعبتنا المسرحية هو الإيمان بإعادة تحقيق الحق لكل واحد منا أن يعيش بكرامة، ونحن نؤمن بأننا كلنا أكثر وأفضل مما نحن عليه، ونؤمن بالتضامن”. ويضيف أن حريتنا هي “أن نبتدع الطرق لمساعدة الإنسانية لتغدو إنسانية متغلغلة بحرية في جميع حقول الأنشطة الإنسانية والتربوية والسياسية وغيرها، فالمسرح لغة، ولذا يستطيع أن يتكلم عن جميع الهموم الإنسانية”. (لمعرفة مزيد عن مسرح المقهورين انظر: مسرح المضطهدين، نافذة نحو التغيير – دليل المستخدم، إعداد إدوار معلم وإيمان عون، رام الله 2006، عشتار لإنتاج وتدريب المسرح).
وقد استندت التجربة المسرحية بعد حرب الخامس عشر من أبريل، بصورة أساسية، إلى مقدار وعي المسرحيين السودانيين بهمومهم، ودرايتهم بمكونات الأزمة القومية وقضايا الوطن في علاقاتها وتقاطعاتها المركبة مع ما هو ثقافي وإبداعي، ومُراقبتهم لمُجريات الأحداث الاجتماعية والسياسية، ومدى قدرتهم على الاستفادة من المسرح التفاعلي التطبيقي في تغيير المسار من الحروب إلى مربع السلام، عبر الحوار المسرحي بين الجمهور والممثلين، وتقريب الرؤى نحو المصالحة من خلال المنبر الشعبي. وما هذه العملية في اعتقادي إلا انعكاس للوعي والتراكم المسرحي، وللإيمان بما تقوم به الفنون، والمسرح بشكل خاص، في ظل الحروب الطاحنة. لذا فإن تجارب المسرح في ظل النزاع قد اختارت لنفسها نهجا تطبيقياً اجتماعياً متمرداً يتجاوز خشبات المسارح.
ما الدوافع؟
ومما لا شك فيه أن ثمة دوافع متعددة تعمل مع بعضها البعض في تحديد شكل العملية المسرحية وأهدافها. وفي خاتمة هذا المقال أحاول تحديد بعض هذه الدوافع التي شكلت طبيعة العملية المسرحية وشكلها بعد حرب الخامس عشر من أبريل، وجعلت من معظمها تجارب تطبيقية شعبية تعليمية داعية للسلام.
لقد التقى ثراء التعدُّد الثقافي في السودان بفقر الخطاب القومي الجامع، فتقدم في هذا الفراغ صوت خطاب الكراهية عالياً، ووجد المسرح نفسه مطالباً بأن يشغل المساحة التي تخلَّى عنها الخطاب الرسمي. وزادت من ذلك دراماتيكية الأزمة وتفاقم الصراعات الإثنية المصحوبة بالقوة وتعدُّد الجيوش على أساس إثني، وهو ما انعكس في بنية هشة في التعامل مع الآخر؛ بنية تحتاج إلى وسيط ثقافي يُعيد بناء الثقة. ويُضاف إلى ذلك غياب المسرح الرسمي والمواسم المسرحية حتى قبل الحرب، وهو غياب جعل المسرحيين في حالة بحث دائم عن شراكات مع المنظمات العاملة في مجالات التنمية والسلام وإدارة الأزمات، فتشكَّل العمل المسرحي على مقاس هذه الشراكات وأهدافها. وقابلت هذه الحاجة عند المسرحيين حاجة موازية عند المجتمعات المحلية إلى نوع من العمل الثقافي يَبني جسور التواصل بين المجتمعات المختلفة بخطابٍ توافقيٍّ يُؤسِّس للتعايش ويبني شراكات للعبور من الأزمة. ثم جاءت الزيادة الكبيرة في النزوح واللجوء في ظل حرب أبريل 2023 لتُضاعِفَ هذه الحاجة، إذ خلقت جمهوراً جديداً مُقيماً في المعسكرات ودور الإيواء ومناطق اللجوء، بلا مؤسسات ثقافية تُخاطبه، فصار المسرح المُتنقِّل أقربَ الوسائل إليه وأصدقها تعبيراً عنه. وتُوِّجَتْ هذه الدوافع جميعها بالدور الذي تُؤدِّيه الثقافة الشعبية والفنون، والمسرح على وجه الخصوص، في رفع الوعي الشعبي وتمكين المجتمعات من امتلاك تجربتها والمشاركة في صناعة السلام.
جميع هذه الأسباب وغيرها جعلت من تجارب المسرح بعد الحرب مختلفة عن غيرها، فجلُّها ناقش القضايا الحيوية مع المجتمع، وبحث مع الجمهور في السياقات السليمة والممكنة لتأسيس مجتمع متماسك.
* باحثة وناقدة مسرحية
