في هذا التحقيق الذي فحصت فيه “دارفور24” عشرات الوثائق والتقت بأشخاص من جهات مختلفة، نكشف عن تدافع تحالف الحرب لجعل الأراضي العامة والخاصة في مدينة نيالا مغنماً ومكافأة للذين قاتلوا بأنفسهم وأهليهم، وأولئك الذين ناصروا بأموالهم وألسنتهم خلال السنوات الثلاث من حرب 15 أبريل 2023.

 

تحقيق – دارفور24

تكشف وثائق حكومية وشهادات موظفين ومواطنين ومتضررين، حصلت عليها شبكة “دارفور24” خلال أشهر من التتبع، عن عمليات واسعة للاستيلاء على الأراضي العامة والخاصة بمدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، في أعقاب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في 26 أكتوبر 2023. وتظهر المعلومات التي جمعتها الشبكة أن الساحات العامة والاحتياطي الحكومي ومنازل المواطنين الذين أجبرتهم الحرب على النزوح تحولت إلى هدف لشبكات تضم مسؤولين في الإدارة المدنية وقيادات عسكرية وموظفين في مؤسسات الأراضي والتخطيط العمراني ووسطاء عقارات، عبر عمليات إعادة تخطيط ونقل ملكية وإصدار عقود وشهادات بحث يُشتبه في تزويرها.

ويستند هذا التحقيق إلى وثائق ومستندات رسمية وشهادات موظفين حاليين وسابقين في مؤسسات الأراضي والتخطيط العمراني ومحكمة التسجيلات، إضافة إلى مواطنين متضررين وسكان أحياء ووسطاء بيع وشراء عقارات ومصادر داخل الإدارة المدنية، فضّل بعضهم حجب هويته لأسباب أمنية مرتبطة بطبيعة المعلومات التي أدلى بها.

وتستخدم “دارفور24” أسماء مستعارة وفقطاً لطلب المصادر، خشية ملاحقتهم من قبل الجهات المتورطة في الفساد الذي يكشفه التحقيق، وآخرين فضلوا ذكر أسمائهم عوضاً عن حجبها.

وشملت عمليات إعادة التخطيط والتصرف في الأراضي مواقع متعددة داخل نيالا، من بينها المساحات الواقعة جنوب غرب مدرسة نيالا الثانوية للبنين وحتى امتداد حي الجمهورية، ومسجد بحي المصانع يحمل شهادة بحث، وميدان حي الثورة، وأجزاء من موقف الجنينة، ومساحات ممتدة من حي الجير شمالاً حتى حي دوماية، ومبنى شمال جامع نيالا، وأجزاء من غابة النيم على الضفة الجنوبية لوادي نيالا، إضافة إلى مساحات واسعة بحي تكساس.

ومنذ إنشاء الإدارة المدنية في جنوب دارفور خلال عام 2024، ظل ناشطون ومؤثرون من أبناء المدينة داخل السودان وخارجه يتداولون وثائق ومعلومات تتعلق بالتلاعب في ملكية الأراضي العامة والخاصة وتزوير السجلات المرتبطة بها. وكان الناشط أيمن شرارة، نشر مستندات تكشف جانباً من هذا النمط، وقد تحققت “دارفور24” من صحة الوثائق التي نشرها من موظفين مصلحة الأراضي.

احتجاجات وبلاغات

وتحول الحديث عن “فساد الأراضي” في نيالا، من نقاشات محدودة داخل الأحياء إلى احتجاجات ووقفات شعبية وبلاغات ضد أفراد وقادة عسكريين في قوات الدعم السريع، متهمين بالاستيلاء على الأراضي.

ولم يكن إقدام الضابط في قوات الدعم السريع الضواي عبيد وشريكته مريم صالح، على الاستيلاء على الساحة العامة الخاصة بحي الثورة وتشييد مبانٍ عليها لأغراض خاصة سوى نموذجاً يسيراً لحقيقة استشراء ثقافة الاستيلاء على الأراضي والساحات العامة بوثائق مزورة ساهمت السلطات الجديدة في استخراجها واعتمادها لتمكن نافذين من حيازة ساحة عامة كانت قد خُصصت لأغراض سكان الحي الاجتماعية وملعباً رياضياً لشبابه.

تقول إحدى سكان الحي، غادة إبراهيم، لـ”دارفور24″: “حين اعترضنا نحن سكان الحي بكل فئاتنا العمرية يوم أن رأينا عمليات التشييد قد بدأت في ساحتنا الوحيدة، أخرج لنا ضابط الدعم السريع أوراقاً مزورة يدعي فيها ملكيته للساحة؛ لكننا اعترضناه فأشهر سلاحه في وجوهنا؛ وعلى الرغم من تدويننا بلاغاً ضده بحيازته المزيفة وإشهاره السلاح علينا وصدور أمر من النيابة التابعة للسلطة المدنية بالقبض عليه، إلا أنه استمر في تشييد المباني التي خطط لتشييدها على الساحة العامة الخاصة بسكان الحي”.

“هذا نموذج واحد من بين عشرات النماذج التي تضج بها أروقة ملفات الأراضي، فمنذ سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة نيالا في 26 أكتوبر 2023 سقطت على يدها كافة المؤسسات الحكومية والوثائق والمستندات الخاصة بالحقوق العامة والخاصة، لكن التركيز كان منذ الأيام الأولى وحتى اليوم على الأراضي؛ إذ تسابق بعض القادة العسكريون وحلفاؤهم المدنيون إلى الوصول إلى المستندات الرسمية الخاصة بمحكمة تسجيلات الأراضي وأرشيفها لمعرفة الأراضي الحكومية غير المخصصة لجهة بعينها، وكذلك الأخرى المسجلة كساحات عامة وتلك المسجلة للاحتياطي الحكومي”.

كيف بدأت السيطرة على سجلات الأراضي؟

تقول الموظفة بمحكمة تسجيلات أراضي نيالا، جمانة عبد الهادي، لـ”دارفور24″، إن نظام محكمة تسجيلات الأراضي يقوم على تسجيل وتوثيق ملكية كل أرض باسم صاحبها، وإن كل عقد من عقود الأراضي يتكون من ثلاث نسخ، حيث تودع نسخة منه في أرشيف مصلحة الأراضي، ويُعطى المالك نسخة، وتودع النسخة الثالثة بمحكمة تسجيلات الأراضي للتوثيق. إذ تختص محكمة تسجيلات الأراضي بالتوثيق القانوني، وتُعد مرجعاً لملكية الأراضي، كما تقوم باستخراج شهادات البحث لأغراض البيع أو التنازل أو الهبة لأجل قصير، تفادياً للتلاعب في الأراضي.

وأضافت: “غير أنه بعد سقوط المدينة على يد قوات الدعم السريع في أكتوبر 2023، سارع موظفون في الأراضي ومحكمة التسجيلات إلى التعاون مع قادة في الدعم السريع، وكشفوا لهم معلومات الأراضي المتعلقة بالعقارات الحكومية والساحات العامة والاحتياطي الحكومي، بل شمل الكشف الأراضي الخاصة بالمواطنين الذين لم يكملوا تسجيلها لدى المحكمة، والقطع غير المشيدة في المدينة، وسهلوا لهم الاستيلاء على أعداد كبيرة من قطع الأراضي”.

وشمل التلاعب بسجل الأراضي، بحسب جمانة، انخراط وسطاء البيع والشراء المعروفين باسم “السماسرة”، الذين قدموا معلومات في الأحياء السكنية عن الساحات والاحتياطي الحكومي والمنازل غير المسجلة وغير المشيدة التي هجر أصحابها المدينة بسبب الحرب، حيث جرى الاستيلاء عليها من خلال تشكيل لجان ضمت ممثلين لجهات حكومية وقوات الدعم السريع لمعاينة المساحات، ثم تشرع اللجنة في إعادة التخطيط والتوزيع دون إعطاء احتجاجات السكان أي اعتبار. والأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بحسب موظفة محكمة التسجيلات، بل وجد عدد كبير من السكان الذين هجروا المدينة منازلهم معروضة للبيع لدى وسطاء بيع وشراء الأراضي والعقارات في المدينة.

تفاجأ بمنزله معروضاً للبيع

يروي مهند عثمان لـ”دارفور24″ كيف اكتشفت أسرته محاولة بيع منزلها الكائن بحي المطار أثناء غيابها القسري بسبب الحرب.

ويقول إن “وسطاء عقارات استغلوا خلو المنزل من أهله وزوروا عقد الملكية المسجل باسم والده، ثم عرضوه للبيع مقابل 100 مليون جنيه، قبل أن يهبطوا بالسعر إلى 60 مليوناً فقط، وهو مبلغ لا يساوي قيمة قطعة أرض غير مشيدة في الحي نفسه”.

وأضاف مهند أن “الصدفة وحدها منعت بيع منزل عائلته حين تعرف المشتري المحتمل على اسم والد مهند وقارن بين الأسماء، لتنكشف محاولة البيع وتُحبط قبل إكمالها”.

وبالنسبة لمهند، لم تكن الحادثة مجرد محاولة احتيال، بل كانت إعلاناً صريحاً عن فوضى الأراضي في المدينة، حيث أصبح غياب أصحاب المنازل بسبب الحرب ثغرة يستغلها سماسرة وجهات نافذة للتلاعب.

وكانت تلك الحادثة واحدة من عشرات الحالات التي بدأت تتكشف تباعاً في مدينة نيالا، وتشكل اليوم مدخلاً لفهم شبكة واسعة من التزوير والتلاعب في عقود الأراضي والساحات العامة منذ سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في أكتوبر 2023.

شبكات تزوير

بحسب إفادات سكان ومصادر محلية، لم تقتصر عمليات التلاعب على المنازل المهجورة، بل امتدت إلى ساحات عامة ومربعات احتياطية ومراكز خدمية جرى تحويلها إلى قطع سكنية، والتصرف فيها عبر نافذين في الإدارة المدنية التابعة لقوات الدعم السريع.

وتشير الإفادات إلى أن عمليات إعادة التخطيط بدأت عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة، واستهدفت ملاعب وساحات شبابية ومساحات مخصصة للخدمات العامة، وهي مساحات ظلت لعقود جزءاً من البنية المجتمعية للأحياء.

اعتقال مسؤولين ووسطاء

مع تصاعد الشكاوى، اضطرت الإدارة المدنية في نيالا خلال يوليو الماضي إلى فتح تحقيقات داخلية حول ملف الأراضي، وتتبع المتورطين حتى تمكنت من توقيف عدد من الموظفين التابعين لوزارة التخطيط العمراني والبنية التحتية والوسطاء داخل وزارة البنية التحتية وإدارة الأراضي.

وبحسب مصدر مطلع تحدث لـ”دارفور24″، شملت التوقيفات مدير مكتب المدير العام، ومدير إدارة الأراضي، ومدير الاستثمار، ومدير أراضي نيالا شمال، ومفتش الأراضي، إلى جانب محامين وسماسرة عقارات معروفين، نُقلوا إلى سجن دقريس.

وتشير الاتهامات إلى تورط هؤلاء في تزوير عقود ملكية وبيع أراضٍ في مناطق متعددة جنوب وغرب وشرق المدينة، فضلاً عن التصرف في ثلاثة ميادين عامة وأجزاء من قشلاق الشرطة.

كما أفادت مصادر داخل الإدارة المدنية بأن أحد أبرز الموقوفين ضابط إداري اعتُقل داخل السوق الشعبي وبحوزته نحو 300 عقد منزل جاهز للبيع، قبل نقله إلى سجن دقريس.

منازل خاصة

وفي شمال نيالا، يقول عبد الفتاح إبراهيم يحيى، من حي الثورة، إن ضابطًا برتبة عقيد استولى على مساحة واسعة من ميدان الحي وبدأ في حفر الأساس، قبل أن يتدخل السكان ورئيس الإدارة المدنية يوسف إدريس لإيقافه. ويضيف أن بعض الساحات أُحيطت بغرف صغيرة تحت مسميات دينية مثل خلاوى تحفيظ القرآن ومصليات صغيرة، لتتحول لاحقًا إلى منازل خاصة.

وفي حي المدينة المنورة، تحدثت إسراء محمود عن بناء منازل جديدة على قطع تخص سكان الحي على امتداد طريق الكنغو رمالية، مؤكدة أن نافذين في الدعم السريع وزعوها على أقاربهم بعقود رسمية، وأن أسعار الأراضي ارتفعت من نصف مليون إلى أكثر من خمسة ملايين جنيه خلال عام واحد.

وتؤكد ست إفادات متطابقة أن قوات الدعم السريع استولت على منازل قشلاق الجيش غرب المدينة وبدأت في تأهيلها وبيعها لأفرادها، كما سُجلت منازل قشلاق الشرطة شمال السوق الكبير لصالح ضباطها. ورغم تبرير بعض القيادات بأن هذه المساكن ستُخصص للجرحى وأسر القتلى، تشير مصادر أخرى إلى أن تدخل حاكم إقليم دارفور في حكومة تأسيس، الهادي إدريس، أوقف التعاملات الخاصة بنقل ملكية الأراضي إلى أشخاص آخرين إلى حين مراجعتها.

قرار من السلطة في بورتسودان

في خضم اتساع عمليات التزوير والاستيلاء على الأراضي، أصدرت حكومة ولاية جنوب دارفور، التي تتخذ من بورتسودان مقرًا لها ويرأسها بشير مرسال، قرارًا في 28 أكتوبر 2024 يقضي بإيقاف وإنهاء تكليف 67 موظفًا في وزارات المالية والتخطيط والصحة والتربية، وإحالتهم إلى التحقيق في قضايا تتعلق بالفساد والتصرف في استثمارات الأراضي والعقود الحكومية، بحسب نص القرار الذي حصلت عليه “دارفور24”.

ورغم أن الجهة التي أصدرت القرار لا تبسط سيطرتها فعليًا على نيالا منذ أواخر أكتوبر 2023، فإن الخطوة بدت أشبه بمحاولة لإظهار حضور إداري في ظل سيطرة الدعم السريع على المؤسسات الحكومية بالولاية.

وعلى الرغم من أن قرارات الحكومة الولائية في بورتسودان تحمل أبعادًا سياسية أكثر من كونها إجراءات قابلة للتنفيذ، إلا أنها تعكس مدى اطلاعها على موجة الفساد التي تجري داخل المؤسسات الحكومية في نيالا، إذ تتم معظم عمليات البيع والتزوير تحت إشراف قيادات تفرض سلطتها على الأرض، ما يجعل تنفيذ القرار داخل نيالا شبه مستحيل دون القدرة على الوصول إلى نظام تسجيل الأراضي على الشبكة المعلوماتية الخاصة بتسجيلات الأراضي.

في المقابل، تشير معلومات إلى أن أمين الحكومة ونائب الوالي، صلاح أحمد الموج، كوّن لجنة جديدة لإدارة التخطيط العمراني تحت ضغط مباشر من ضابطين في قوات الدعم السريع، حيث أدى أعضاء اللجنة القسم أمامهما، وتولى لاحقًا علي محمود شرارة إدارة وزارة التخطيط العمراني قبل أن ينتقل إلى موقع آخر ويحل محله حذيفة عبد الله.

سوق العقود المزورة

يشير موظف في الوزارة ـ عرّف نفسه باسم مستعار هو سليمان لدواعٍ أمنية ـ في حديثه لـ”دارفور24″ إلى أن العقود الأصلية محفوظة بأرقام متسلسلة داخل إدارة فنية متخصصة، وأن تزوير العقود المزدوجة لا يتم إلا عبر موظفين داخل الوزارة مقابل مبالغ مالية أو عبر وسطاء بيع، موضحًا أن سوقًا غير رسمي يُعرف باسم “البوكو” يمثل المركز الرئيس لبيع العقود المزورة. وتضم الوزارة أكثر من 700 موظف، إلا أن أقل من 40 منهم استمروا في العمل بعد سيطرة الدعم السريع.

ويشير مصطلح “البوكو” في السوق السودانية ـ والذي أُطلق أول مرة عام 2013 في مدينة نيالا نفسها قبل أن يعم مدن السودان، خصوصًا مدن إقليم دارفور ـ إلى تجارة السيارات التي نُهبت من جمهورية أفريقيا الوسطى في أعقاب الاضطرابات الأمنية التي شهدتها عام 2013. وكان مسلحون سودانيون قد شاركوا فيها ونهبوا مئات السيارات. ومع انتشار السيارات القادمة من جمهورية أفريقيا الوسطى ودول أخرى، وفتح أسواقها للشراء والتصدير إلى السودان بلا أوراق رسمية، أطلق عليها الناس اسم “بوكو” للدلالة على أنها بلا أوراق تثبت ملكيتها. ومع مرور الوقت، اتسع استخدام الكلمة ليشمل جميع السلع التي تُباع خارج الأطر القانونية أو دون مستندات معتمدة.

منزل واحد وثلاثة عقود

وفي مناطق مختلفة شمال وجنوب المدينة، تحدث مواطنون عن تحويل مربعات واسعة من الساحات العامة إلى مخططات سكنية جديدة. وذكر عضو سابق في لجنة التغيير والخدمات بنيالا لـ”دارفور24″ أن مساحة كبيرة مخصصة لمركز شباب حي الأندلس جرى تحويلها إلى منازل مقابل مبالغ زهيدة جدًا مقارنة بأسعار الأراضي في المنطقة.

وفي سوق الأراضي، يؤكد وسيط البيع والشراء حسين آدم أن التلاعب في تسجيلات الأراضي قديم، لكنه تفاقم مع الحرب، حيث ظهرت عقود مزورة في مربعات متعددة، ويجري بيع منازل دون أوراق تثبت الملكية. ويوضح لـ”دارفور24″ أن لكل منزل ثلاث نسخ من العقد: واحدة في المحكمة، وأخرى في الأرشيف، وثالثة لدى المالك، وأن حصول أي شخص على إحدى النسخ يتيح إمكانية تزويرها وبيعها في السوق، خاصة بعد توقف محكمة التسجيل التي كانت تفرز العقود الصحيحة من المزورة.

اتهامات للإدارة المدنية

ومع توسع الظاهرة، بدأ سكان المدينة يوجهون اتهامات مباشرة للإدارة المدنية بتوزيع الساحات العامة والتواطؤ مع المزورين، بينما نفت الإدارة في بيان رسمي بيع أي ساحات عامة، وأكدت وقف العمل في الإدارة منذ مايو. كما ألغت عقودًا أُبرمت في مواقع شمال مدرسة حي المجلس وأخرى غرب المدرسة الشمالية.

ووفقًا لمسؤول في محلية نيالا شمال – فضل عدم الكشف عن اسمه – فإن عمليات الفساد الخاصة بالأراضي كبيرة جدًا، وتتوفر الأدلة الكافية عليها، وأن عددًا من المتهمين موقوفون داخل الحراسات، بينهم مسؤولون في البنية التحتية. وأوضح أن ضباطًا في قوات الدعم السريع هم الأكثر تورطًا في الاعتداء على الأراضي، إلى جانب شخصيات أخرى قيد التحقيق.

غياب الرد الرسمي يفتح الباب لأسئلة أكبر

بناءً على ما توفر لدينا من معلومات وشهادات، وجهت “دارفور24” سلسلة من الأسئلة إلى مدير وزارة التخطيط العمراني، علي محمود شرارة، قبل تركه منصبه، للاستفسار حول أسباب توقيف عدد من مديري الإدارات والموظفين، وحقيقة الاتهامات المتعلقة بتزوير العقود وشهادات البحث، إضافة إلى ما تردد حول ضبط عقود جاهزة للبيع، وشبهات التدخلات في تشكيل لجنة التخطيط الجديدة، فضلًا عن الشكاوى المتعلقة بالاستيلاء على الساحات العامة ومربعات متعددة داخل المدينة.

كما طلبنا توضيحات حول ما يُثار عن تورط أفراد من داخل الوزارة ومن خارجها في عمليات تخطيط وبيع غير مشروع للأراضي، ودور قيادة الدعم السريع في التعامل مع الاتهامات، وما إذا كانت هناك قائمة رسمية بالأشخاص الذين يواجهون تحقيقات في هذا الملف، إلا أننا لم نتلقَّ أي رد حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

ويصف الصحفي ومراقب الوضع في دارفور (ت. ف) جملة هذه الإجراءات بأنها تعكس نمطًا قديمًا لدى قوات الدعم السريع يجمع بين مواردها كقوة عسكرية والموارد الخاصة بالأفراد الذين يضعون قدراتهم المالية ومواردهم لصالح أنشطة الحرب، مستشهدًا بشركة الجنيد وفروعها التي تتداخل مواردها مع موارد قوات الدعم السريع وتغذي عملياتها الحربية بطرق مختلفة.

وتشير مجمل الوثائق والشهادات التي حصلت عليها “دارفور24” إلى أن ملف الأراضي في نيالا لم يعد مجرد نزاعات عقارية متفرقة، بل أصبح قضية تتعلق بإعادة توزيع الموارد العامة والخاصة في مدينة تعيش آثار الحرب وانهيار مؤسسات الدولة، وسط اتهامات متزايدة باستخدام النفوذ العسكري والإداري لتغيير ملكية الأراضي والساحات العامة على نطاق واسع.