*كتب: خالد ماسا

ومنذ سماع الطلقة الأولى في منتصف شهر أبريل من العام 2023، دون إهدار الوقت كثيراً وراء السؤال عمّن أطلقها، يقف السودان والسودانيون أمام حقيقة لا يمكن الهروب منها، وهي أننا ما زلنا محتاجين للبحث عن “شيفرة” السلام المفقودة في البلد الذي يبدو وكأنه قد أدمن تدخين البارود والرصاص.

نحن الآن في خضم داحس “الكرامة” وغبراء “الديمقراطية”، ولا يزال تعريفنا المختل لعملية السلام هو الحاكم للتفكير السياسي، بدليل أن بوصلة السلام، وبعد أيام من الرصاصة الأولى، أرشدتنا إلى ذات الطريق الذي وقع فيه حافر أديس أبابا 1972 على حافر المصالحة الوطنية وكوكدام.

و”بعر” ما تم التوقيع عليه في كل صفقات السلام تلك، ظن النادي السوداني، أو قل توهم، بأنه يدل على “البعير”، فاتبعوه حتى قادهم إلى “نيفاشا” 2005، فأطلقوا عليها محطة الحرب الأخيرة في السودان وبوابة السلام الشامل، ولم يسكت الرصاص لأننا لم نفكر في إنتاج سلام قابل للحياة.

سبتمبر المنصرم شهد ما يشبه المحاولات الأخيرة لإعادة قطار السلام إلى “فلنكة” السكة الحديد، بمعاودة المبادرة الخماسية عبر مكوناتها AU/IGAD/LAS/EU/UN، وطرق باب التفاوض بين البندقيتين لإسكات رصاص ظل “يلعلع” فوق رؤوس السودانيين لأربع سنوات عجاف، طلبت فيها الولايات المتحدة هدنة لمدة 90 يوماً، ودعت الإيقاد إلى توحيد المبادرات المطروحة في آلية سلام واحدة.

 إعادة تعريف السلام المطلوب

وصفة السلام التي جربها السودانيون في اتفاقية السلام الشامل “نيفاشا”، والتي أنتجت وطنين لم يعرف الاستقرار طريقاً إليهما بعد قطع حبلهما السُري، يجب أن تكون هي الدرس الذي سيتعلمون منه الفرق بين مفهوم إنهاء الحرب وإسكات الرصاص، وبين إنتاج وصفة السلام المستدام في بلد أرهقته اتفاقيات السلام سياسياً مثلها مثل الحرب.

لم تتغير تركيبة وصفات السلام المطروحة الآن، “نفس العلاج من شركة أخرى” بلغة الصيدلة. “بندقيتان” كانتا على أيام نيفاشا، هما بندقية الجيش السوداني وبندقية الجيش الشعبي لتحرير السودان، بينهما “وسيط” يمثل المجتمع الدولي والإقليمي، خاطب وقتها رغائب البندقيتين بجزرة الدعم ومخاوفهما بعصا العقوبات، لينتج ذلك طفل السلام “الخديج” في نيفاشا، لم يعش كثيراً في البلدين ولم يسكت الرصاص بشكل شامل كما هو مراد.

من ذات المفهوم تنطلق المبادرات المطروحة حالياً لحل المشكل السوداني، ابتداءً بمنبر جدة التفاوضي الذي تبنته المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، مروراً بمبادرة دول الحوار في القاهرة وجوبا، ودخول الآلية “الرباعية” على خط التكرار، ثم الخماسية.

من ذات الصفحة ظل المبعوثون الخاصون للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وللرئيس الأمريكي نفسه يقرأون بأن معادلة السلام السودانية لا تخرج تركيبة الحل فيها من فكرة التفاوض بين بندقيتين يجمع بينهما وسيط. ووفقاً لهذا المفهوم، فإننا قد ننهي الحرب الدائرة الآن، وقد يستطيع الوسطاء إقناع قيادتي الجيش والدعم السريع بالوصول إلى اتفاق وصفقة لوقف إطلاق النار في السودان، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن السودان أصبح بلداً آمناً، ولكننا سنبقي على واقع سوداني “هش”، والعودة إلى سماع صوت الرصاص فيه أسهل ما يكون.

الاختلال في تعريف مفهوم الحرب في السودان هو الذي يؤسس لاختلالات كثيرة على مستوى تعريف السلام كمقابل للحرب، إذ لا يزال تعريف الحرب في السودان لا يتجاوز فكرة أنها مجرد خلاف بين قوتين مسلحتين أنتج الحرب في السودان، مع أن حرب أبريل الأخيرة أعطت المظهر الأكثر وضوحاً في حروبات السودان، لأنها كشفت التعقيد بكلياته في السياسة السودانية والمجتمع معاً، ووضعت السودانيين أمام حقائق لم يكونوا مكترثين لها في تعريفهم لمفهوم الحرب وأسبابها في السودان.

جميع التعريفات الواردة فيما سُمّي تعجلاً في النادي السياسي السوداني باتفاقيات السلام التي لم تُخاطب الأزمة السودانية في جذورها بالتوصيف الدقيق لعلاقة الجيش بالسياسة، وظلت على الدوام هذه المنطقة “مظلمة” وممنوع الاقتراب منها والتصوير بالمنطق العسكري لتفكير البندقية، وكانت الأزمة هنا أزمة “دستورية” أكثر من أنها “نص” في اتفاق سياسي يتم التوقيع فيه بين طرفين يدركان تماماً بأن “البندقية”، ولا شيء غيرها، هي من تعطي أهلية الإنابة عن الشعب السوداني والنادي السياسي في تعريف عملية السلام المطلوبة.

ظلت الاتفاقيات التي أخذنا الظن الحسن فيها بأنها مؤهلة لصناعة السلام في السودان تتعامل مع مسألة تعدد الجيوش كواقع لا يمكن تجاوزه، بل وظل شرط الوجوب في نصوصها هو احتفاظ كل طرف من الموقعين على الاتفاق ببندقيته، خصماً على التأسيس لمفهوم وجود جيش قومي واحد ومؤسسة تحدد مهامها بحماية التراب والدستور، وكأنما الضامن الوحيد لبقاء السلام في السودان هو التناسل الغريب للبنادق.

لم يتعدَّ تعريف السلام في السودان واتفاقياته المتعددة حدود المراسيم المؤقتة لإيقاف إطلاق النار والمحددة بنصوص ليس لديها القدرة على أن تلجم الرصاص متى ما وُضعت الأصابع على الزناد، بينما كان الأجدى هو الاهتمام بالنص المستدام في دستور سوداني دائم يحدد المهام، وظل العيب “الخلقي” الملازم لمفهوم السلام في السودان يعالج واحدة من أهم محددات ومحركات الحرب في السودان، وهي قضية “توزيع السلطة والثروة”، تأسيساً على منطق العدد والعتاد العسكري للموقعين على اتفاقيات السلام، لتتم المحاصصة وفقاً لأحكام القدرة العسكرية أكثر من أحكام القدرة على إدارة البلاد، بحيث لا تتجدد الحرب بناءً على التغييرات التي تحدث على مستوى القدرة العسكرية.

نريد أن نقول هنا إن “المطبخ” الذي ينتج السلام في السودان ظل على الدوام بأيادٍ عسكرية ظلت تحمل البنادق، أو بأيادٍ مدنية “كسولة” اختصر الرصاص لها الطريق إلى السلطة وأعفت عقلها من مجهود التأسيس لمجتمع مدني له سلطة التدخل لتعريف مفهوم السلام المستدام في السودان وكتابة وصفة جديدة غير تلك التي تمنح البندقية حق تقرير مصير هذا البلد.

في قضايا السلام في السودان، وعلى الرغم من الانشغال المبكر للمثقف السوداني والسياسي بقضية “الهوية الوطنية” للسودانيين وتعدد المدارس الفكرية والسياسية في معالجة هذا الملف ومحاولات سبر أغواره، إلا أن أول شيء انهار مع الرصاصة الأولى في حرب أبريل هو تماسك المجتمع الذي كان من المفترض أن تعصمه من الانهيار هي الهوية الوطنية، وليس من المستغرب حالة الردة القوية نحو الروافع القبلية والإثنية والجهوية والتحصن بها أوان الحرب، فالسودانيون لم يكونوا على أيام اتفاقيات السلام في أديس أبابا 1972 ونيفاشا 2005 يقفون على خط استواء الهوية الوطنية، والتي بالضرورة لا يساهم في صناعتها نص في اتفاق سياسي أو خطاب “فوقي” يصدر من مثقف هو في نفسه “هش” وغير مؤهل للصمود أمام مطلوبات تفرضها حالة الاستقطاب الجهوي والقبلي.

في معالجة ملف السلام، لطالما ظل المناخ السوداني مضطرباً بحيث لم يكن بالإمكان إنتاج الوصفة بمكونات سودانية خالصة، وظللنا نعتمد على الخارج بكل أطماعه وأجندته وتقاطعات المصالح لديه لكتابة وصفة السلام السودانية، بينما تكتفي الأطراف السودانية بالتوقيع بضمانات في العادة لم يلتزم بها الإقليم والمجتمع الدولي.

بالضرورة نحن هنا لا نتجه للتسليم بمدرسة العزلة، فهذا شيء لم يعد متاحاً ولا ممكناً في عالم اليوم، وأن السودان بموقعه الجيوسياسي وتأثيره وتأثره الكبير على العالم من حوله لن تكون قضايا الحرب والسلام فيه بمعزل عما يحيط به، ولكننا بالضرورة كنا في أمس الحاجة لمخاطبة مبادرات السلام المطروحة كلها من أطراف خارجية بحزمة “ثوابت وطنية” لا يجوز التنازل عنها أو تجاوزها بأي حال من الأحوال، وهي وحدها التي كان بإمكانها أن تسد الطريق أمام أي محاولة للتدخل في الشأن السوداني بأكثر مما هو مطلوب من الوسطاء في حدود تهيئة المناخ لإجراء عملية بناء سلام مستدام في السودان، غير متأثر بأجندة نفوذ ومصالح إقليمية ودولية تمشي على رمال السياسة المتحركة.

وهنا أيضاً نحن لا نريد التأسيس لفرضية أن عملية بناء السلام في السودان حالياً يجب أن تكون عملية متجاوزة للأطراف الحاملة للسلاح فيها، لأن الواقع نفسه يفرض علينا عدم التجاوز، ولكن يجب الوضع في الاعتبار بأن ذلك شرط لإيقاف الحرب فقط، وخطوة في طريق السلام الذي يمر بهذه المحطة، فقد تنتهي المعركة في الميدان بين البندقيتين، بينما تستمر الحرب في السياسة والمجتمع والاقتصاد والذاكرة، لأننا وقتها محتاجون للتعامل مع حزمة تحديات أوجدتها الحرب نفسها، مثل قضايا النازحين واللاجئين ومشروعات إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وما يجب اتخاذه من إجراءات حيال سيطرة اقتصاديات الحرب والتيارات المقاومة للسلام نفسه بحسابات فقدان مصالح أوجدتها حالة الحرب.

هي ببساطة تحديات اليوم التالي لوقف إطلاق الرصاص، لأن مشكلات الحرب لا تنتهي كبدايتها السريعة، ومن يقرأ في صفحة انتشار السلاح وتعدد الجهات الحاملة له يدرك بأن الأمور أصعب بكثير من مهمة وقف إطلاق النار.

التجارب مع اتفاقيات السلام التي وقعها السودانيون بعد حروب لا تزال أسبابها متوفرة أفقدتهم أحد أهم أسباب ومطلوبات السلام المستدام، وهو توفر القدر المطلوب من الثقة بين المكونات السودانية لإنجاز سلام مستدام والقضاء على محددات ومحركات الحرب، وذلك لأن وقف إطلاق النار يوقف استخدام السلاح، أما موضوع بناء السلام المستدام فيبدأ عندما يصبح استخدامه لحسم السياسة أمراً مستحيلاً.

التجربة سابقاً في ملف الحرب والسلام، وحالياً، أثبتت بأن الحالة السودانية لم تفتقر لوسطاء السلام على الإطلاق، وفي حرب أبريل الحالية لم يتأخر ملف الوساطة كثيراً، فبعد أيام من انطلاق الرصاصة الأولى كان منبر جدة مفتوحاً لاستضافة أطراف الصراع بثقله السياسي ومغرياته الاقتصادية، ومن بعده انطلق “ماراثون” الوساطة الإقليمي والدولي بمنظمات الاتحاد الإفريقي والإيقاد والجامعة العربية والرباعية والخماسية، إضافة للجهود المنفردة للمبعوثين الخواص للدول والمنظمات الدولية، إلا أن البيئة السودانية ما زالت غير قادرة على تحويل “كوم” الوساطة الخارجية إلى حالة سلام سودانية مستدامة، والوساطة مهما كانت قدراتها فهي تنتهي عند باب إيقاف إطلاق النار، والخارج بكل ما لديه من إمكانيات يستطيع أن يصنع ضغطاً ويقدم ضمانات وحوافز ويقوم بالتمويل ويراقب الاتفاق ويجمع الأطراف، لكنه لا يستطيع أن يصنع إرادة استدامة سلام، بينما الإرادة السودانية هي الوحيدة القادرة على الوصول بالسودان والسودانيين إلى نهاية المشوار وبناء نظام يمنح المناعة المطلوبة لحماية ما تم الاتفاق عليه.

على الدوام ظللنا – نحن السودانيين – عاجزين عن “قد عين” شيطان التفاصيل التي تلي التوقيع على اتفاقيات السلام، لينقلب الحال فيها من نقطة للسلام لبداية أزمات جديدة أكثر تعقيداً في المشهد السوداني، ولتتحول “الفترات الانتقالية” في السودان من موسم للإعداد الجيد لبناء الدولة السودانية على أسس متينة تمنع الانتكاس والتراجع لزمن الحرب، إلى فترة يصحو فيها شيطان تفاصيل الترتيبات الأمنية وبناء الجيش الجديد والإصلاحات المطلوبة في الجهاز العدلي والاقتصادي.

صفقة بين بندقيتين

علمتنا التجربة أيضاً مع ملف الحرب والسلام في السودان معنى الاختلاف بين “التسوية” في ملف الأزمة وبناء السلام المستدام، فبقدر ما أن التسوية كانت قد قادتنا إلى طريق اتفاق لاقتسام السلطة والثروة بين بندقيتين في كل الأحوال التي شهدت توقيعاً للاتفاق، فإن المفهوم البديل لذلك هو “العقد السياسي” الجديد، والذي تتشكل فيه ملامح الاتفاق على الدولة التي نريد أن نعيش فيها، بثوابت تطرقنا إليها آنفاً، وتتمثل في الجيش الوطني الواحد وسيادة دولة القانون والحقوق والواجبات التي تنعقد على أساس المواطنة وإدارة التنوع العرقي والثقافي والديني وفقاً لمنظومة دستورية مستدامة، وهذه بالضرورة لا يتم اعتبارها شروطاً يفرضها ويمليها طرف سياسي على الآخرين، بقدر ما يمكن تقديمها كأسئلة تأسيسية للدولة السودانية بشكلها الجديد.

“العقد السياسي” يقول بأنه لا يمكن تقديم “البندقية” كسهم في ملكية الدولة السودانية، وهذا العقد يبين بوضوح خطورة دخول القوى الحاملة للسلاح إلى طاولات التفاوض بمعادلة أن وزن البندقية ينتج لها وزناً سياسياً في دولة ما بعد الحرب وتوقيع الاتفاق، وأن من يحمل سلاحاً أكثر يحصل على النصيب الأكبر في الدولة، لأن هذه الوصفة جعلت السلام نفسه منتجاً لحروب مستقبلية في السودان، وتجعله يرسل رسالة تصل إلى بريد الفاعلين السياسيين تقول: “إذا أردتَ حصة أكبر في السودان، فابحث عن بندقية أكبر”، وهذه دوائر من المطلوب جداً كسرها في منطق السياسة في السودان.

على كثرة تجاربنا مع محاولات صناعة السلام في السودان، واجهتنا مشكلة ترتيب الأولويات في عملية صناعة السلام المستدام في السودان، وعلى الدوام لم نكن نحسم إجابتنا على سؤال أيهما أحق بأولوية المعالجة، ملف “العدالة” أم ملف السلام؟ وفي كل تجربة كان المنتصر هو تيار تقديم السلام على العدالة، ما صنع من السلام سلاماً “هشاً” وغير قابل للاستدامة في بلد ظل على الدوام يحتاج إلى السلام، والذي بدوره يحتاج إلى عدالة، والتي لا يستقيم الحال فيها إلا بوجود مؤسسات، والتي لا يمكن قيامها إلا بوجود دولة مستقرة، بحيث يتم الوصول لبناء مسار للعدالة لا يتحول لاحقاً إلى أداة انتقام وتصفية سياسية، ولا يتحول السلام نفسه إلى مجرد صفقة للإفلات من العقاب.

الأزمة الاقتصادية التي بلغت ذروتها في سبتمبر 2026 المنصرم أظهرت بوضوح آثار الانقسام الاقتصادي الذي أفرزته الحرب، إذ أدى انهيار قيمة الجنيه السوداني في المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، بينما أصبحت مناطق إنتاج مهمة تحت سيطرة قوات الدعم السريع، بما يعكس عمق الانقسام الاقتصادي الذي صنعته الحرب، و”التسوية” التي لا تعالج اقتصاداً صنعته الحرب قد توقف الرصاص مؤقتاً، لكنها تترك ماكينة الحرب تعمل تحت الطاولة وتستمر في مقاومة اقتصاد السلام الذي لا يتكلم عن ملفات إعادة الإعمار ويهمل محاسبة من استفادوا من الحرب وقطع الطريق أمام مصالحهم بعودتها.

هندسة السلام

في حربنا التي نحب أن تكون الأخيرة في تاريخ السودان، نحتاج لما هو أوسع من فكرة الوسيط في الأزمة ليجلس بين طرفي الحرب ليدير التفاوض بين بندقيتين لينتج عن ذلك اتفاق، وهو عملية هندسة للسلام، والتي تبني منظومة سلام مستدام بخارطة طريق تبدأ بوقف إطلاق النار، ثم وضع الأولوية لحماية المدنيين والحرص على وصول المساعدات الإنسانية للمتضررين، وآليات واضحة للترتيبات الأمنية، وإطار تنفيذي للعدالة ضمن الحكم الانتقالي، ومعايير للسلام الاجتماعي يساهم فيها المثقفون وقادة المجتمع والفنانون والمبدعون، وصولاً لمرحلة الانتخابات، وبذلك تصبح عملية هندسة السلام عملية متعددة المراحل وليست مجرد ورقة توقع عليها بندقيتان.

نحتاج إلى هندسة عملية السلام في السودان، لأن ما تم الدفع به في سبتمبر المنصرم، سواء من جانب الإيقاد بتجميع كل المبادرات المطروحة في مبادرة واحدة، لم تتم فيه الإجابة على سؤال: أي من المبادرات ذات جدوى لحل المشكل السوداني بشكل جذري؟ وهل هنالك فعلاً قابلية لهذا الضم والتجميع، أم أن التعدد هو نتاج تقاطعات للمصالح واختلاف للرؤى حول الحل؟

كما أن هدنة الـ90 يوماً المقدمة على لسان مبعوث الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، يجب السؤال حولها: ما إذا كانت تصلح كمدخل لبناء حالة السلام في السودان، أم أنها لن تتعدى أن تكون هدنة لإعادة التموضع عسكرياً واستراحة عسكرية لالتقاط الأنفاس، ومن ثم العودة لنقطة الحرب الصفرية؟

ما أنتجته الحرب الأخيرة يحتاج لما هو أكثر من اتفاق بين الجيش والدعم السريع، فنحن الآن في أمس الحاجة لهندسة سلام اجتماعي تزيل آثار خطاب الكراهية وحالات الاستقطاب القبلي الحادة، وهي بالضرورة حرب ضروس ولكن لا يُسمع لها صوت رصاص.

الفكرة في هندسة السلام تعني بالضرورة أفكاراً جديدة مختلفة عما هو محفوظ في الذهنية القديمة عن التسوية والاتفاقيات التي تعقب الحروب، وليس بالضرورة أن تكون هنالك حالة إجماع حول عملية السلام، فهذه أيضاً فكرة طوباوية، ولكن ما يحتاج حقيقة منا لإعادة تعريف هو إمكانية أن نختلف سياسياً، ولكن يجب ألا يكون الاحتراب هو الخيار الأول لحظة حدوث هذا الاختلاف، ومن الطبيعي أيضاً الاختلاف حول صياغة الدستور، ولكن الواجب أن نكون متفقين على الاحتكام إليه، وأن تختلف رؤيتنا للسلطة، ولكن الأساس هو أن تكون الانتخابات هي طريقنا للوصول إليها، فالسلام بعد إعادة هندسته لا يعني غياب الاختلاف بقدر ما أنه يعني منع هذا الاختلاف من التحول إلى حالة حرب، لأن أخطر مسار سلكه السودانيون للوصول إلى السلام انتهت فكرته بالوصول إلى طاولة التفاوض دون ضمانات بألا تعود الطاولة نفسها بعد سنوات لتبحث عن اتفاق جديد لإيقاف حرب جديدة.

*صحفي وكاتب