تقرير – دارفور24
في ظل استمرار الحرب في السودان، يتعرض المدنيون لانتهاكات تشمل القتل والاستهداف في المناطق السكنية والأسواق والمرافق الصحية، إلى جانب العنف الجنسي والاعتقالات وتجنيد الأطفال، وسط تحديات تواجه وصول المساعدات الإنسانية وتوثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
واستضافت «دارفور24» المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان ومديرة مركز الجزيرة لحقوق الإنسان، نون كشكوش، في بودكاست «قصص من دارفور»، للحديث عن حماية المدنيين في دارفور بين المواثيق الدولية والقانون الدولي الإنساني، والانتهاكات المرتكبة بحقهم، وسبل تحقيق العدالة.
وقالت كشكوش إن النزاع المسلح في السودان يُصنَّف نزاعًا مسلحًا غير دولي، وتخضع أطرافه لقواعد القانون الدولي الإنساني، بما فيها المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، التي تحظر الاعتداء على حياة الأشخاص وسلامتهم البدنية، والقتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، والمعاملة القاسية والمهينة، والعنف الجنسي، واحتجاز الرهائن.
وأوضحت أن هذه الحماية تشمل المدنيين والمقاتلين الذين ألقوا أسلحتهم أو توقفوا عن المشاركة في الأعمال العدائية، مشيرةً إلى أن الانتهاكات الحالية تعكس غياب الالتزام بهذه القواعد والبروتوكولات الدولية ذات الصلة.
وفيما يتعلق بالأطفال، أفادت بأن أطراف الحرب والقوات المساندة لها لم تلتزم بمتطلبات حمايتهم منذ اندلاع النزاع في 15 أبريل، كما أن التدهور الاقتصادي والنزوح يسهمان في تسهيل تجنيدهم.

وأشارت إلى أن مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان رصد حالات عديدة لتجنيد الأطفال، ودعا إلى إبعادهم عن القتال، دون أن يلحظ استجابة حقيقية، لافتةً إلى انتشار الثقافة العسكرية في المدارس ورياض الأطفال، بما يعزز عسكرة المجتمع.
استمرار الانتهاكات
وبيّنت كشكوش أن دارفور شهدت عمليات إبادة جماعية في الجنينة، وكذلك مع سقوط الفاشر، إلى جانب قصف جوي طال المستشفيات والأسواق، ومن بينها مستشفى الضعين، فيما ضاعف استخدام الطائرات المسيّرة من مخاطر الحرب على المدنيين، في ظل قدرتها على الوصول إلى مسافات بعيدة وانخفاض تكلفتها.
وأشارت إلى انتشار الاعتقالات والاحتجاز، خصوصًا في الفاشر ونيالا، حيث يُحتجز مدنيون في سجون خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، وسط محدودية التدخل الدولي لمتابعة أوضاعهم.
وأكدت أن مبدأي التمييز والتناسب في القانون الدولي الإنساني يفرضان الفصل بين الأهداف العسكرية والمدنيين، محذرةً من خطورة استهداف السكان على أساس اعتبارهم حواضن اجتماعية لقوات الدعم السريع أو انتمائهم إلى قبائل معينة، لما قد يترتب على ذلك من تصاعد خطاب الكراهية والاستهداف العرقي والاجتماعي.
العنف الجنسي
وقالت كشكوش إن العنف الجنسي ظل إحدى أدوات الحرب في دارفور منذ عام 2003، واستمر خلال النزاع الحالي، متخذًا أشكالًا تشمل الاختطاف والاغتصاب والإجهاض القسري.
وأوضحت أن النساء يواجهن صعوبات في الوصول إلى قنوات آمنة للإبلاغ عن الانتهاكات، بسبب الخوف من العواقب، مشيرةً إلى تعرض نساء لأشكال من العنف الجنسي المرتبط بالحصول على الغذاء داخل معسكرات في تشاد.
وذكرت أن صعوبة الوصول إلى المساعدات الإنسانية تفاقم معاناة النساء، خصوصًا في توفير الاحتياجات المتعلقة بالحماية والأدوية اللازمة للوقاية من الأمراض المرتبطة بالانتهاكات الجنسية.
وفيما يتعلق بالعاملين في المجال الإنساني والصحي، أشارت إلى تعرض أطباء للاختفاء القسري والاحتجاز، فضلًا عن الهجمات التي طالت منشآت صحية، من بينها المستشفى السعودي في الفاشر ومستشفى الضعين، رغم الحماية التي يوفرها القانون الدولي الإنساني لهذه المنشآت.
عرقلة المساعدات
حذّرت كشكوش من خطر المجاعة في دارفور وأجزاء من كردفان، مشيرةً إلى أن تعثر وصول المساعدات الإنسانية يمثل أحد العوامل الأساسية التي تفاقم الأزمة.
وقالت إن قوافل المساعدات تتعرض للقصف، كما تواجه عمليات إدخال الإغاثة صعوبات في المعابر، ومنها أدري والطينة، إلى جانب التعقيدات المرتبطة بالحصول على الموافقات اللازمة لعمل المنظمات الإنسانية.
وأضافت أن فشل الموسم الزراعي وشح الأمطار والجفاف وصعوبة الحصول على الوقود والغاز زادت من معاناة المدنيين وأثّرت في حياتهم اليومية.
الإفلات من العقاب
وشددت كشكوش على أن السودان يمتلك إرثًا طويلًا من الإفلات من العقاب، رغم أن التشريعات الجنائية السودانية تتضمن نصوصًا بشأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تشمل النزوح القسري والنهب والإبادة الجماعية واستهداف المدنيين والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع، فضلًا عن مسؤولية القادة.
لكنها أشارت إلى أن تأثير السلطة على الأجهزة القضائية والعدلية يمثل تحديًا أمام تحقيق العدالة، معتبرةً أن المؤسسات العدلية السودانية ليست مهيأة حاليًّا بما يكفي للتعامل مع ملف الانتهاكات.

وفيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية، قالت إن المحكمة ومكتب المدعي العام والصندوق الائتماني لتعويض الضحايا، إلى جانب الفريق العامل على حصر الضحايا، يواصلون العمل على ملفي الجنينة والفاشر.
وأضافت أن التحقيقات المتعلقة بالإبادة الجماعية في الجنينة والانتهاكات في الفاشر أحرزت، وفق المعلومات المتاحة لها، تقدمًا كبيرًا، رغم التحديات المرتبطة بنقص التمويل ومحدودية عدد العاملين.
وعن توثيق الانتهاكات، أوضحت أن صعوبة الوصول إلى المعلومات واستهداف الطرق التي يسلكها العاملون ميدانيًّا من أبرز العقبات. وأشارت إلى اعتماد مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان على فريق مدرَّب في الرصد باستخدام المصادر المفتوحة والتحقق من المعلومات، إلى جانب راصدين ميدانيين، مؤكدةً أن حمايتهم تمثل أولوية.
ودعت كشكوش إلى وقف عاجل لإطلاق النار وإقرار هدنة إنسانية تسمح بوصول المساعدات، مشددةً على ضرورة إنهاء الحرب والتوصل إلى تفاهمات سياسية لمعالجة الأزمة السودانية.
دعوات لتعزيز حماية المدنيين
وفي مداخلات ضمن البودكاست، شدد مشاركون على ضرورة احترام أطراف الحرب للقانون الدولي الإنساني، والتمييز بين المدنيين والمقاتلين، وعدم استهداف الأعيان المدنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

وأشار أحد المشاركين إلى استمرار القصف الجوي للمناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، بما يشمل الأحياء السكنية والأسواق، مقابل قصف قوات الدعم السريع منشآت مدنية، كما يحدث في الأبيض، التي تعاني أيضًا من الحصار.
وانتقد المشاركون ما وصفوه بضعف الاهتمام الدولي والإقليمي بحماية المدنيين، إلى جانب انقسام بعض المؤسسات الحقوقية بين أطراف الصراع، بما يؤدي إلى التركيز على انتهاكات طرف دون آخر.
وقالت مشاركة إن القصف المدفعي والجوي وهجمات الطائرات المسيّرة ألحقت أضرارًا بالمستشفيات والمرافق الصحية والمنازل، وأسفرت عن مقتل مدنيين وإصابة آخرين، مشددةً على أن حماية المواطنين لم تكن ضمن أولويات الأطراف المتحاربة.
ودعت جميع الأطراف إلى وضع حماية المدنيين في مقدمة أولوياتها، كما ناشدت الأمم المتحدة وضع خطة جديدة لحمايتهم في السودان.
وتظل حماية المدنيين في دارفور مرتبطة بمدى التزام أطراف النزاع بالقانون الدولي الإنساني، وضمان وصول المساعدات، ووقف الانتهاكات، وتعزيز آليات التوثيق والمساءلة، بما يكفل حماية السكان وحقوقهم في ظل استمرار الحرب.
