بحثاً عن الذهب.. شباب يمشون بأرجلهم من دارفور إلى شمال السودان

الضعين: دارفور 24

لم يكن أمام الصادق محمود (26 عاماً) ورفاقه خيار آخر، فبعد أن جفت مزارعهم في ولاية شرق دارفور، وضاق بهم الوضع المعيشي، وأغلقت طرق السفر أمامهم، قرر الصادق قطع أكثر من 700 كيلومتر مشياً على الأقدام، متجهاً إلى مناجم الذهب في شمال السودان.

غادر الصادق في رحلة قد تستغرق أكثر من شهر، بلا سيارة ولا زاد يكفي، لكنها بالنسبة إليه أهون من البقاء.

يقول الصادق لـ”دارفور24″، قبيل انطلاقه من أطراف مدينة الضعين “ضاق بنا العيش، لا مطر، لا زراعة، ولا شغل. وقوات الدعم السريع منعت السفر إلى مناطق الجيش، وتذاكر التهريب عبر الصحراء وصلت إلى 1400 ألف جنيه للشخص، لا نملكها، فقررنا أن نمشي على أرجلنا”.

نمشي ليلاً وننام نهاراً

الصادق ليس وحده. فكل صباح، تخرج مجموعات صغيرة من الشباب والرجال من قرى في شمال وشرق وجنوب دارفور، يحملون على ظهورهم الماء وأكياساً صغيرة من الدقيق، ويتجهون شمالاً عبر كردفان.

ولا تسلك هذه المجموعات الطريق الرئيسي، إذ تمشي ليلاً لتفادي حرارة الشمس التي تصل إلى 45 درجة، ودوريات قوات الدعم السريع المنتشرة على الطرق الرئيسية، بينما تنام نهاراً تحت الأشجار وفي بلدات صغيرة.

ويضيف الصادق “الدوريات ألقت القبض على المئات قبلنا، من يجدونه مسافراً نحو الشمالية يتهمونه بأنه مستنفر مع الجيش، ويرسلونه إلى السجن في الفاشر ونيالا، لذلك نمشي بعيداً عن الطرق الرئيسية، عبر طرق وعرة”.

الرحلة قاسية بكل المقاييس، يقطع هؤلاء يومياً ما بين 25 و30 كيلومتراً، وفي بعض الأيام يعملون في المزارع بشمال كردفان مقابل وجبة واحدة وجرعة ماء، ثم يأخذون قسطاً من الراحة قبل مواصلة الرحلة.

ويقول الصادق “مرات نأكل وجبة واحدة في اليوم، كسرة بماء وملح، ومرات نبيت جوعى، أرجلنا تورمت وتشققت من المشي، لكن لا يمكننا الرجوع، وراءنا أطفال بلا أكل”.

جفاف يطرد الناس من أرضهم

ولا تدفع الحرب وحدها هؤلاء الشباب إلى المخاطرة بهذه الرحلة، ففي هذا العام، فشل الموسم الزراعي في معظم محليات دارفور بسبب عدم هطول الأمطار.

وجفت مزارع الدخن والفول السوداني التي كانت تؤمّن قوت العام، فيما أدى إغلاق سوق النعام الحدودي وتوقف الإمداد إلى ارتفاع أسعار السلع بنسبة 300%، بالتزامن مع توقف المنظمات عن توزيع الغذاء منذ أشهر.

ويقول آدم، صديق الصادق البالغ من العمر 19 عاماً، والذي يسير معه في الرحلة “كنا نزرع ونأكل مما نزرع، الآن لا زرع ولا سوق، الذهب هو أملنا الوحيد، نسمع أن هناك من يجد غراماً أو اثنين في اليوم، تكفي لإرسال مصاريف لأهلنا”.

ويقدر ناشطون محليون أن أكثر من 400 شاب غادروا شرق دارفور مشياً خلال الشهرين الماضيين، متجهين إلى مناجم جبرة الشيخ والدبة والمثلث، بعد أن فرضت قوات الدعم السريع قيوداً مشددة على حركة المدنيين نحو الشمال، بذريعة منع الاستنفار لصالح الجيش، بينما يرى الأهالي أنها محاولة لمنع نزيف الشباب من مناطق سيطرتها.

رحلة بلا ضمانات

وفي منتصف الطريق، لا يعرف الصادق إن كان سيصل، ولا إن كان سيجد ذهباً إذا وصل، لكنه يعرف شيئاً واحداً، كما يقول “المشي 700 كيلومتر أهون من أن أرى أطفالي ووالدي يموتون جوعاً أمامي”.

أما حسن علي، أحد الشباب الذين تمكنوا من الوصول إلى مدينة الدبة شمالاً، فيروي لـ”دارفور24″ تفاصيل رحلته الشاقة. ويقول “كنا خمسة شباب في الرحلة، أوقفتنا دورية تابعة لقوات الدعم السريع في بوابة بلدة النايم، وتعرضنا للضرب الشديد، ودفعنا غرامة 30 ألف جنيه عن الشخص الواحد حتى سمحوا لنا بدخول البلدة”.

وأضاف “أسوأ ما وجدناه في الطريق هو الجوع والخوف. كنا نأكل وجبة واحدة في اليوم، وصادفنا في الطريق شباباً مسافرين لم يتناولوا الطعام لأكثر من يومين، هناك أشخاص كانوا معنا تم القبض عليهم وترحيلهم إلى السجن، لكننا تمكنا أخيراً من الوصول بعد هذه المعاناة”.