تقرير – دارفور24
لم تترك حرب أبريل في دارفور مدناً مدمرة ونزوحاً واسعاً وفقداناً للأمن فحسب، بل فتحت أيضاً مساحات لنمو اقتصاد خفي، تداخلت فيه تجارة المخدرات مع شبكات التهريب، وسط تراجع مؤسسات إنفاذ القانون وضعف الخدمات الصحية والنفسية.
ووفق إفادات مختصين من ولايات دارفور الخمس تلقتها “دارفور24″، تتحرك تجارة المخدرات على خطوط تمتد من مناطق الإنتاج، خصوصاً في جنوب دارفور، إلى المدن الرئيسية، قبل أن تجد طريقها إلى ولايات سودانية أخرى، فيما تدخل المخدرات المصنعة عبر الحدود مع تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى.
ويقول مختصون تحدثوا لـ”دارفور24″ إن الظاهرة كانت موجودة قبل اندلاع الحرب، لكنها اتخذت أبعاداً أكثر خطورة خلال سنواتها الأربع، مع ظهور أنواع جديدة من المخدرات المصنعة، بينها الكبتاغون والآيس ومواد مخدرة يجري تعاطيها عن طريق الحقن، إلى جانب القنب الهندي المعروف محلياً بـ”البنقو”.
تُعد محلية الردوم بولاية جنوب دارفور، وفق المعلومات الواردة في الحلقة الحادية عشرة من بودكاست “قصص من دارفور”، من أبرز مناطق إنتاج القنب الهندي في الإقليم، وتشير التقديرات الواردة في الحلقة إلى أنها تنتج نحو 90 في المائة من “البنقو” المتداول في دارفور.
ومن مناطق الإنتاج تنتقل المخدرات إلى مدينة نيالا، ومنها إلى ولايات سودانية أخرى، قبل أن تتخذ بعض الشحنات طريقها عبر الحدود إلى دول الجوار. وبحسب المختصين، استغل المروجون الفراغ الأمني والمؤسسي الذي رافق الحرب لتوسيع نشاطهم، وتحويله من نشاط محدود إلى شبكة أكثر اتساعاً وتنظيماً.
الحرب توسع مساحة تجارة المخدرات
ويقول الطبيب نصر الدين يوسف، المتخصص في مبادرات الدعم النفسي والاجتماعي لمتعاطي المخدرات، لـ”دارفور24″، إن تعاطي المخدرات كان موجوداً في دارفور قبل الحرب، لكن النزاع ساهم في تفاقم الظاهرة.
ويعزو يوسف ذلك، من بين أسباب أخرى، إلى غياب مؤسسات الدولة، ولا سيما أجهزة شرطة مكافحة المخدرات التي كانت تضطلع بمراقبة الحدود وملاحقة المروجين، ما منح شبكات التهريب والترويج مساحة أكبر للحركة.
ويشير إلى أن ضعف القطاع الصحي زاد من تعقيد الأزمة، إذ تفتقر معظم المستشفيات المحلية إلى مصحات وكوادر متخصصة في علاج الإدمان والأمراض النفسية المرتبطة بالتعاطي.
وبالتالي، لا يجد كثير من المتعاطين الذين يصلون إلى المستشفيات العلاج المتخصص، بسبب ضعف الإمكانات وانعدام البرامج العلاجية اللازمة.

اتهامات بتورط مقاتلين في الترويج
وفي مدينة زالنجي بولاية وسط دارفور، يقول (ك، م)، وهو موظف في إحدى المنظمات الإنسانية العاملة في المدينة، مفضلاً حجب اسمه، إن انتشار المخدرات خلال الحرب يعود، بحسب إفادته، إلى تولي مقاتلي الدعم السريع الترويج والتعاطي.
ويضيف أن نسبة انتشار المخدرات زادت مع غياب الحكومة وتولي قوات الدعم السريع تسيير شؤون الولاية، مشيراً إلى تخصيص سوق في عمارة رجب، جنوب بنك الخرطوم بمدينة زالنجي، لتداول المخدرات بأنواعها الطبيعية والمصنعة والكحول السائلة، بينما كان المتعاملون فيها يحملون أسلحتهم.
ويقول إن قيادة الدعم السريع حاولت مواجهة المتورطين في هذا النشاط، لكنهم قاوموا بشدة، وكادت المواجهة أن تتسبب في صراع داخلي، ما دفع القيادة، وفق إفادته، إلى التراجع وتركهم.
ويضيف (ك، م) أن وضع انتشار المخدرات في مناطق سيطرة الجيش أخف، لكنه لا يخلو من المشكلة، ولذلك لا يتوقع زوال الأزمة بمجرد عودة سيطرة الجيش.
ويشير إلى أن المنظمات الإنسانية عاجزة حالياً عن لعب دور إيجابي في هذا المجال، لعدم استجابة قيادة الدعم السريع، موضحاً أن مشروعات الدعم النفسي والاجتماعي وُجّهت إلى النساء اللائي تعرضن للعنف الأسري والاغتصاب.
من “البنقو” إلى الكبتاغون والآيس
وفي دراسة أجراها الطبيب نصر الدين يوسف، رصد انتشار تعاطي المخدرات وسط الشباب في ولاية شمال دارفور. وشملت الدراسة، بحسب إفادته، عينات من محليات الطينة وكبكابية وسرف عمرة، باعتبارها من المناطق التي تشهد نشاطاً ملحوظاً في تجارة المخدرات.
وأشارت الدراسة إلى أن مدينة الطينة، الواقعة على الحدود السودانية التشادية، تحولت إلى محطة مهمة للمخدرات المصنعة التي تدخل من تشاد، قبل أن يجري تهريبها إلى مناطق مختلفة داخل السودان بواسطة شبكات من المروجين.
وكشفت الدراسة، وفق يوسف، عن انتشار واسع ومقلق لمخدر الكبتاغون، الذي أصبح أحد أبرز المخدرات المصنعة المتداولة بين بعض الشباب.
ويقول يوسف إن “البنقو” كان المخدر الأكثر انتشاراً قبل الحرب، لكن السنوات الأخيرة شهدت ظهور أنواع أخرى أكثر خطورة، بينها الكبتاغون والآيس وبعض المواد المخدرة التي يجري تعاطيها عن طريق الحقن.
وحذرت الدراسة من أن المخدرات المصنعة تحمل آثاراً نفسية وجسدية شديدة، وقد تقود في بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة ومميتة.
وتتفق إفادة (ك، م، ح)، وهو مساعد شرطة كان يعمل في مجال مكافحة المخدرات بإحدى ولايات دارفور قبل الحرب، مع هذا الاتجاه.
ويقول (ك، م، ح) لـ”دارفور24″ إن العاملين في مكافحة المخدرات يعملون حالياً خارج دائرة الاختصاص بمسارح العمليات، ولا توجد مساحة لمكافحة المخدرات، مؤكداً زيادة انتشار تعاطي وترويج المخدرات المصنعة التي تجد طريقها إلى دارفور عبر معبر الطينة الحدودي.
ويضيف أن هذا الانتشار أصبح واضحاً للمواطن العادي، ناهيك عن الأجهزة المختصة، مشيراً إلى أن غياب استراتيجية لمكافحة المخدرات من قبل قوات الدعم السريع التي تسيطر على ولايات دارفور زاد من تفاقم الأزمة، خصوصاً أن غالبية المروجين، بحسب إفادته، ينتسبون إلى الدعم السريع نفسها.
ويكشف (ك، م، ح) عن ظهور أنواع جديدة من المخدرات المصنعة، يقول إنها في الأساس عقاقير تخدير طبية بدأت تُستخدم كمخدرات في دارفور، محذراً من خطورتها على الشباب، إذ يمكن أن تتسبب، بحسب إفادته، في الشلل أو الإصابة بالجنون عند استخدامها من دون استشارة طبيب مختص.

المدارس والخلاوى ضمن دائرة الاستهداف
ويضع الطبيب نصر الدين يوسف ولاية جنوب دارفور ضمن المناطق الأكثر تأثراً بانتشار المخدرات.
ويقول إن شبكات الترويج لم تعد تستهدف المتعاطين التقليديين فقط، وإنما بدأت تستهدف فئات عمرية أصغر، بما في ذلك طلاب المدارس وطلاب الخلاوى.
وبحسب إفادته، يستخدم بعض المروجين الأطفال في عمليات التوزيع، من خلال منح الطفل حبة مخدرة مقابل توزيع عدد من الأشرطة، في أسلوب يهدف إلى توسيع دائرة المتعاطين والمروجين في الوقت نفسه.
ويحدد يوسف الفئة العمرية الأكثر عرضة للاستهداف بين 15 و30 عاماً.
لا ينظر المختصون إلى انتشار المخدرات باعتباره مشكلة أمنية فقط، إذ تتداخل وراء الظاهرة عوامل اجتماعية ونفسية واقتصادية تفاقمت بفعل الحرب.
ويحدد نصر الدين يوسف عدداً من الأسباب التي تدفع الشباب نحو التعاطي، من بينها الحرب والنزوح والتشرد وانعدام الاستقرار الأمني والأسري.
وفي بيئة يعيش فيها آلاف الشباب بعيداً عن أسرهم، أو في ظروف معيشية قاسية، تصبح المخدرات، بحسب يوسف، وسيلة للهروب من الواقع أو البحث عن النشوة، قبل أن تتحول إلى دائرة من الإدمان يصعب الخروج منها.
الوصمة.. حاجز آخر أمام العلاج
إلى جانب ضعف الخدمات الصحية، يواجه علاج الإدمان عقبة اجتماعية تتمثل في الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي وتعاطي المخدرات.
ويشير نصر الدين إلى أن كثيراً من الشباب يترددون في طلب المساعدة خشية نظرة المجتمع إليهم، لكنه يؤكد أن بعض المتعاطين تمكنوا من تجاوز هذا الحاجز وطلبوا العلاج طوعاً.
ويقول إن العاملين في برامج الدعم النفسي والاجتماعي يقفون إلى جانب هؤلاء الشباب ويتابعون حالاتهم بهدف مساعدتهم على التعافي والعودة إلى المجتمع.
وفي ظل غياب الدولة عن مناطق واسعة من دارفور، يقول يوسف إن فرق الدعم النفسي والاجتماعي تضطر إلى الوصول إلى المتعاطين في مناطق وجودهم وتقديم التوعية والإرشادات لهم.
يشدد نصر الدين يوسف على ضرورة تغيير طريقة التعامل مع متعاطي المخدرات، خصوصاً داخل المؤسسات الصحية.
ويرى أن مستشفيات دارفور تحتاج إلى كوادر متخصصة ومصحات نفسية قادرة على استقبال حالات الإدمان وعلاجها، بدلاً من النظر إلى المتعاطي باعتباره مجرماً فقط.
ويقول إن التعامل مع هذه الحالات يجب أن يجمع بين الجانب القانوني والصحي والاجتماعي، بما يساعد المتعاطي على التخلص من الإدمان واستعادة حياته والاندماج مجدداً في المجتمع.
التوعية.. خط الدفاع الأخير
في ظل انهيار جزء كبير من البنية الصحية والأمنية بسبب الحرب، يرى يوسف أن التوعية المجتمعية تمثل أحد أهم المسارات المتاحة حالياً للحد من انتشار المخدرات.
ويقترح توسيع برامج التوعية داخل المدارس والخلاوى، وإشراك الإدارات الأهلية ووجهاء المجتمع والأسر في مواجهة الظاهرة.
كما يدعو إلى توفير برامج رياضية وتدريب مهني وفرص عمل للشباب، باعتبارها وسائل يمكن أن تساعد في تقليل عوامل الفراغ والتهميش التي تجعل بعضهم أكثر عرضة للتعاطي.
ويؤكد كذلك أهمية تعزيز الرقابة على الحدود ومكافحة عمليات التهريب، بالتوازي مع تقوية دور الأسرة في متابعة الأبناء والانتباه إلى التغيرات المفاجئة في سلوكهم.
يقول نصر الدين إن ولايات دارفور ستحتاج، في حال توقف القتال، إلى عمل طويل ومكثف لمواجهة الظاهرة، يقوم على التعاون بين الشرطة والأجهزة العدلية والمنظمات المدنية والأسر والمؤسسات الصحية.
ويشير إلى أن بعض المنظمات بدأت بالفعل في تنفيذ برامج للدعم النفسي والاجتماعي وتنظيم ورش تدريبية متخصصة، إلا أن حجم المشكلة يتطلب توسيع هذه الجهود وتنسيقها.
جيل كامل تحت الاختبار
يحذر نصر الدين من أن خطورة المخدرات لا تتوقف عند الشخص المتعاطي، وإنما تمتد إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي.
ويقول إن الإدمان قد يرتبط بارتفاع مخاطر العنف والجريمة، بما في ذلك القتل والاغتصاب والنهب، فضلاً عن إهمال الأبناء وتفاقم الفقر والبطالة.
أما على المستوى الصحي، فتشمل الآثار المحتملة، بحسب إفادته، اضطرابات نفسية وأمراضاً تصيب الجهازين العصبي والتنفسي، إلى جانب أضرار قد تطال الكبد والكلى.
وبينما كان “البنقو” لعقود يمثل الصورة الأكثر حضوراً في ملف المخدرات بدارفور، فإن ظهور المخدرات المصنعة وانتشارها بين الشباب يفتح فصلاً أكثر تعقيداً في الأزمة.
فالحرب التي أضعفت مؤسسات الدولة لم تترك فراغاً أمنياً فقط، بل تركت أيضاً بيئة قابلة لنمو اقتصاد غير مشروع، تتشابك فيه الزراعة والتهريب والترويج والتعاطي.
وفي نهاية المطاف، تبدو المعركة أكبر من ضبط شحنة أو توقيف مروج؛ إنها معركة على مستقبل جيل كامل نشأ وسط الحرب، ووجد السلاح حاضراً، بينما غابت الدولة وتراجعت المدرسة والمستشفى والأسرة عن أدوارها الطبيعية.
