كتب:محمد عبد الباقي*
عُرف السودانيون بتجاربهم العميقة في صناعة السلم المجتمعي، فالمجتمعات السودانية على تنوعها، لديها طُرق وأساليب مُتعدِّدة تُدير عبرها منظومة واسعة للأعراف والتقاليد، تحتوي بها المنازعات والصراعات والحروب بين المكونات القبلية، مستندة في ذلك إلى حكمة القادة المحليين مثل العُمد والمشايخ والنظار ورجالات الطُرق الصوفية. وخلال سنوات طويلة ماضية، ظل هؤلاء القادة والزعماء يؤدون أدواراً بالغة الأهمية في وأد الأزمات والخلافات التي تحدث بين المجموعات السكانية قبل أن تتحول إلى مواجهات دامية.
أُعلن اليوم الأربعاء، في مدينة بورتسودان، طيُّ الخلاف الذي نشب بين قبيلتي الرشايدة والبشاريين في سوق الرتج في أقصى شمال شرق السودان. وفي منتصف يونيو الماضي، نشبت توترات بين المُكوِّنَيْن في السوق التي اشتهرت بالتعدين، وتُمثِّل سوقاً تجارية نشطة يرتادها المعدنون في المناطق الحدودية الشمالية الشرقية من السودان، حول تبعية المنطقة، وتحصيل الرسوم، والسيطرة الإدارية على المنطقة، بين بعض المكونات المحلية، التي لم تجد بُدَّاً في نهاية الأمر، من الاحتكام إلى الطرق الأهلية في حل النزاع.
قبل الحرب التي دخلت عامها الرابع كان سوق الرتج عبارة عن محطة عبور نائية يستريح فيها المهربون من وعثاء الصحراء. كان السوق محدوداً للغاية، ولا يوجد به سوى عدد قليل من الأفراد الذين يبيعون الوقود ومياه الشرب لعابري الصحراء؛ لكن بعد الحرب تحول السوق إلى منطقة عبور حيوية يمر بها المواطنون الذين يُريدون الوصول إلى مصر بالطُرق غير النظامية. وفي العامين الماضيين أصبحت تجري في السوق عمليات تبادل السلع والمواد الغذائية بين مصر والسودان، وأصبح التجار من مصر يأتون ببضائعهم إلى الرتج، كما يأتي تجار من السودان كذلك، وفيه تتم المبادلة والمبايعة، مما منحه أهمية بالغة. ويُقدَّر عدد رواد السوق في اليوم الواحد بالآلاف، بحسب تقديرات تجار في المنطقة.
احتكام إلى الأعراف المجتمعية
وخلال الأيام الماضية، برز دور الإدارات الأهلية جلياً في إنهاء الخلاف الذي وقع بين المكونين. وقد تمكَّنت قياداتٌ أهلية من عُمد ومشايخ ونظار من القبائل المجاورة، من احتواء الخلاف الذي كاد أن يتطور إلى مواجهة دامية، عبر الحوار والوساطة والاحتكام إلى الأعراف الاجتماعية التي تحظى باحترام واسع بين السكان.
ويصف أحمد الطيب، وهو أحد أعيان ولاية نهر النيل، ممن شاركوا في طي الخلاف بين المكونين القبليين، الأحداث بأنها كادت أن تنفجر بين المجموعتين لكنهم تحركوا في الوقت المناسب، واستطاعوا نزع فتيل الأزمة حول السوق الذي يقع في منطقة يحوزها فرع العالياب من مجموعة البشاريين. يقول الطيب: “طلبنا إنهاء الخلاف عبر وساطتنا، وقد وافقوا على الأمر، ومنهم تحركنا نحو أهلنا الرشايدة”.
ويضيف الطيب: “نحن كقيادات أهلية نعلم أن القتال إذا وقع لن يقع في الرتج وحدها، فربما يقع في عطبرة أو شندي أو أي مكان في السودان، وآثاره سوف تمتد إلى بقية المناطق. ونحن نعلم أن الصراعات تبدأ صغيرة ولكنها تتحول إلى بقية المجموعات، ولذلك كان الهم الأول هو وضع حدٍّ له في مهده، وقد تكلل جهدنا بالنجاح ووافق الطرفان على المساعي وانتهى الخلاف”.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، صارت الحاجة إلى السلم المجتمعي أكثر إلحاحاً، بسبب اتساع رقعة الصراع في السودان، وتراجع سلطة الدولة في العديد من الولايات التي توزعت بين سيطرتي الجيش والدعم السريع.
عدد من الذين شاركوا في مصالحة سوق الرتج يصفون المبادرة بأنها خطوة من الإدارات الأهلية في المناطق المجاورة لمنطقة الرتج التي حدث بها الاحتقان بين المجموعتين. يقول أحمد الطيب: “الإدارات الأهلية لها باع كبير في إنزال السلام على أرض الواقع متى ما أتيحت لها فرصة التدخل في الوقت المناسب”. وأضاف: “منذ القِدم ظلت الإدارات الأهلية تضطلع بدور محوري في احتواء النزاعات المختلفة وترسيخ السلم المجتمعي، مستندة في ذلك إلى إرث عريق وخبرة متوارثة في إدارة القضايا بالحكمة والعرف والحوار”.
ويضيف: “كان الطرفان قد حدَّدَا يوماً ومكاناً لبدء القتال، وهو يوم عشرين يونيو الماضي، لكن مبادرة الإدارة الأهلية أنهت النزاع وأعادت السلم المجتمعي”، مؤكداً أن مثل هذه المبادرات لو تطورت قليلاً يمكن أن تسهم بصورة كبيرة في وضع حد للاحتراب والنزاع الذي يجري حالياً في السودان دون أي تدخل خارجي.
منعطف خطر
ويرى الناظر والزعيم الأهلي أحمد أبو سن أن مسألة المصالحات والسلم المجتمعي بواسطة الإدارة الأهلية هي الأساس الذي كان يوحد بين المجموعات السكانية في السودان، حتى قبل أن تكون هنالك حكومات مركزية بالصورة التي نراها اليوم.
ويقول أبو سن: “عندما كانت الإدارات الأهلية تعمل بجد واجتهاد في حل قضايا الناس، كان هنالك وفاق كبير بين السكان، لكن اليوم أصبحت عملية إدارة السلام المجتمعي تمر بمنعطفات خطيرة بسبب الحرب التي قسمت السودان إلى منطقتَي سيطرة يَصعب التنقُّل بينهما. والسلام المجتمعي الدائم يحتاج إلى تواصل مجتمعي بين كل المكونات السودانية في أجزاء البلاد. أما بغير ذلك فسوف تظل الحلول جزئية”.
وكانت الإدارات الأهلية قادرة على جلب السلام المجتمعي، وترسيخه بين الناس لأنها لم تكن في يوم من الأيام طرفاً في أي نزاع بين المكونات القبلية، وهي السمة التي أصبحت مفقودة اليوم، وفقاً للناظر أبو سن الذي استطرد: “عندما يحدث نزاع يفترض أن تكون الإدارة الأهلية غير مشاركة فيه بأي صورة من الصورة وليست داعمة لطرف من الأطراف، وهذا يجعل تدخلها مقبولاً من أطراف النزاع وحلولها مُرحَّباً بها”.
ويشير أبو سن إلى أن تدخل الإدارات الأهلية كان لسنوات طويلة محلَّ ترحيب وسيظل كذلك، ما دام رجال الإدارات يُحافظون على استقلاليتهم ووقوفهم على مسافة واحدة من جميع أطراف الخلافات، وهذا ما يجعلهم يؤدون أدواراً متقدمة في جلب السلام المجتمعي.
ويشير أبو سن إلى أن السلام الدائم يحتاج إلى التنمية المتوازنة في جميع مناطق السودان، والتي يفترض أن يتم التخطيط لها برؤية قومية تستصحب أوضاع كل منطقة، وهذا يسهم في حل المشكلات والقضايا التي تنشب بين فترة وأخرى بين المجتمعات.
ويخبر أبو سن أنهم كإدارة أهلية شرعوا قبل الحرب في وضع رؤية لخلق سلام مجتمعي بين المكونات السودانية من خلال مؤتمر أهلي شامل، لكن الحرب قطعت الخطوات التي بدأت، ويقول: “لا بد من قيام مؤتمر أهلي جامع لإحياء الثوابت التي كان الناس يتفقون عليها، ولو نهض هذا المؤتمر يمكن أن تتوقف كثير من النزاعات الحالية، والتي في أغلبها تعود إلى قضايا الحواكير والأراضي، وهي معروفة، ولها قوانين وأعراف وأصول قديمة كانت تدار بواسطة الإداراة الأهلية وتعيش فيها مكونات كثيرة تشعر جميعها بالرضا والسلام والعدالة”.
ويختم أبو سن بالإشارة إلى أن مسألة السلام المجتمعي ستظل هي الأولوية لكل الإدارة الأهلية، وتزداد الحاجة إليها بعد توقف الحرب التي يعقبها ترميم للشروخ التي أصابت المجتمعات من خلال بث خطاب الكراهية والتحريض المتداول في فترة الحرب.
*صحفي سوداني.
