كتب:حامد بخيت الشريف*

يستدعي كاتب المقال إرث التّعايش السوداني لترميم الحياة السودانية، ليَكون ركيزة صلبة لاتفاق يشارك فيه الكُل، لتجاوز هشاشة المواثيق السياسية، فالسلام الحقيقي هو أن يشعر كُلُّ فردٍ، في أيِّ بقعة من بقاع الوطن الفسيح، بأنه صاحب حقٍّ أصيلٍ في الكُلِّ الوطني، وأن مستقبله ونجاته الشخصية مُتَّصلان بشركائه الآخرين.

إن استنطاق المُمارسات الشعبية في السودان، يكشف عن إرث باذخ من التقاليد الاجتماعية؛ حيث مثَّلَتْ هذه المُمارسات عبر القرون صمَّام الأمان، والهُوية الناظمة لحياة المُجتمعات في أزمنة السلم والحرب على حدٍّ سواء. لقد تشكَّلت هذه الآليات (جودية ونفير وفزع) من الحاجة إلى البقاء والتعايش داخل بيئات جغرافية وثقافية متنوعة. وفي الوقت الذي غابت فيه سلطة الدولة المركزية -على مرِّ التاريخ- عن الأطراف، نشأت هذه الديمقراطيات المحليَّة لتُدير النزاعات عبر آليات تتَّسق مع ثقافة وأعراف المجموعات السكانية المختلفة؛ وهذا ما يجعلنا نزعم بأن هذا السياق التاريخي هو ما يُمكنه أن يمنحنا اليوم المفتاح لترميم الحاضر؛ فلطالما نجح في الحفاظ على تماسك المجتمع السوداني لقرون، فهو بلا شكٍّ قادرٌ على أن يكون الركيزة الصلبة لاتفاق اجتماعي يتجاوز هشاشة المواثيق السياسية.

إن الدولة السودانية، وهي تقف اليوم في مهبِّ التحوُّلات الكبرى، تُواجه ضرورة وجودية تتجاوز منطق التسويات التي تعوَّدْنا عليها في جميع اتفاقيات السلام التي أعقبت نزاعاتنا السابقة. وهنا يَبرز الاحتياج إلى إعادة ابتكار مفهوم السلام باعتباره مشروعاً اجتماعياً وتنموياً شاملاً، وضرورة تسبق في أهميتها أي اتفاق سياسي يهدف لإنهاء النزاعات المُسلَّحة. لقد برهنت التجربة التاريخية المريرة أن التواثقات والتوافقات السابقة التي بُنِيَتْ على الورق، دون أن تمتدَّ جذورها في تربة المجتمع وتفاصيل الوجدان، ما هي إلا أبنية واهية وتائهة في الآن ذاته، وبالتالي فإنها تنهار عند أول اهتزاز حقيقي في بنية السلطة أو توازن القوى. إنما السلام الحقيقي هو ما يمكن أن يتخلَّق في ثنايا العلاقات اليومية بين الناس، ويُحقِّق استدامته عبر العدالة الاقتصادية وتكافؤ الفرص؛ فبهذا العمق وحده يستطيع أن ينتقل السلام من ضيق النصوص القانونية المكتوبة على الورق إلى ثقافة عامة قادرة على الصمود في وجه التحديات.

من هذا المنطلق، يصبح من الضروري التفكير في السلام على أنه بنية تحتية اجتماعية وتنموية؛ انطلاقاً من إيمان عميق بأن المجتمعات التي تمتلك أدوات ترميم ذاتها هي وحدها القادرة على اجتراح استقرار دائم ومستدام. وهذا الترميم الوجداني يبدأ حتماً من إعادة هندسة الروابط الإنسانية واستعادة تلك الثقة التي تآكلت بفعل تراكم الأزمات والحروب التي استنزفت الروح الوطنية. فالسودانيون، على الرغم من اتساع طيف تنوُّعهم الإثني والثقافي، يرتكزون إلى إرث باذخ من التعايش والتكافل؛ غير أن هذا الإرث قد تعرَّض لتصدعات عميقة أحدثتها الضغوط المعيشية القاسية، وموجات النزوح الداخلي، وتراجع الدور الحيوي للمؤسسات والوسائط الاجتماعية التقليدية. لذا، فإن إعادة الاعتبار لقيم التعاون والمشاركة والمسؤولية الجماعية، تُمثِّل حجر الزاوية في مسار التعافي؛ فحين يشعر الفرد بأنه محميٌّ داخل شبكة اجتماعية مُتماسكة، يزداد استعداده النفسي والعملي للانخراط في بناء وتشييد مستقبل مُشترك.

إن هذا المسار يتطلَّب بالضرورة مراجعات نقدية شجاعة للصورة الذهنية للآخر في المخيال الجمعي؛ فالانسجام المجتمعي لا يتحقَّق فقط حين تصمت البنادق، إنما يتأسس على حضور الثقة في صورتها الأسمى باعتبارها فعلاً إرادياً يومياً. وتتجلَّى هذه الثقة حين يكفُّ الفرد عن رؤية الآخر في صورة المنافس أو المُهدِّد لوجوده، من خلال إدراك أن الآخر هو بالدوام شريك أصيل في الوجود والحياة. وهنا نستلهم بصيرة الدكتور فرانسيس دينق حين شخَّصَ الأزمة السودانية بأنها تكمن في كيفية تصوُّرنا للتنوع واستخدامنا له أداة للإقصاء الوجداني، بينما التنوع في حد ذاته يمثل ثروة وليس نقمة. هذا التشخيص الدقيق يضعنا أمام مواجهة مع الذات لتفكيك الصور النمطية التي تراكمت عبر حقب من الاستعلاء أو التهميش، سواء كانت تلك الصور مرتبطة بالهويات القبلية، أو الانتماءات الإقليمية، أو الفوارق الطبقية والثقافية.

وتبرز المبادرات التنموية المحلية على أنها أدوات فعالة في هذا التفكيك؛ فعندما يجتمع الناس حول أهداف واضحة مثل بناء مدرسة، أو تأهيل مركز صحي، أو إدارة مشروع زراعي مشترك، فإن الفوارق المصطنعة تذوب تلقائياً وتتشكَّل روابط جديدة تتجاوز الانتماءات الضيقة. إن التجربة الميدانية المُشتركة من شأنها أن تمنح الوعي فرصة للتحرُّر من قوالب التصنيف التقليدية، وتخلق علائق جديدة تقوم على الفعل والإنتاج وليس كما هو مألوف أن تقوم على الشك والريبة.

وعلى صعيد التصالح الوطني، تبرز الحاجة المُلحَّة لمعالجة الجروح والمظالم القديمة، ليس من منظور البحث عن الجناة ومُعاقبتهم، إنما من منظور استخلاص الدروس والعِبَر لضمان عدم تكرار المآسي. إن السلام المجتمعي يتطلَّب مُصالحة وطنية تُعيد إلى الناس القدرة على النظر إلى الماضي دون أن يظلَّ عبئاً خانقاً يعوق الحركة نحو المستقبل. وكما لفت الدكتور منصور خالد، فإن الاعتراف المتبادل بالأخطاء التاريخية هو المدخل الوحيد لتنقية ذاكرة الشركاء في الوطن من سموم الكراهية وشوائب الضغينة. فالمصالحة في جوهرها هي عملية تطهير نفسي تعيد للمجتمع توازنه الأخلاقي وقدرته على الإبصار.

ويمكن تعزيز هذا المسار التطهيري عبر الاستفادة من الفنون والثقافات المحلية واستنطاقها، لتُمارس دوراً محورياً في إعادة بناء تصوُّرنا للآخر بطريقة تقوم على الندية. فالحوارات المحلية العفوية والمُنظَّمة، والبرامج التعليمية التي تغرس في الأجيال الناشئة قيم التنوع، كفيلة بتحويل علاقات الأفراد في المجتمع من ساحة للانقسام إلى مسار دائم للتعلُّم.

وفي هذا السياق، لا يمكننا إغفال الرصيد القيمي الضخم الذي يختزنه المجتمع السوداني في مُمارساته المُتجذّرة مثل “الجودية”، و”النفير”، و”الفزع”. هذه المُمارسات لا يمكن حصرها في مجرد أنها طقوس فلكلورية، لكن يجب أن نفهم أنها آليات حية لإدارة النزاعات وتقديم العون الاجتماعي. فبينما نسعى لبناء دولة حديثة، فإنه يمكننا تطوير هذه الآليات لتُصبح جزءاً من منظومة وساطة مجتمعية مؤسسية تسدُّ الثغرات التي تعجز الدولة عن بلوغها. فـ “الجودية” يمكن تنظيمها مؤسسياً في مجالس صلح محلية، و”النفير” يمكن أن يتطور ليصبح نموذجاً وطنياً للعمل التطوعي المنظم الذي يربط التنمية بروح الجماعة.

بيد أن هذا البناء النفسي والقيمي سيظل ناقصاً ما لم يستند إلى دعامة التنمية العادلة. فالتنمية في جوهرها تعني إعادة توزيع الفرص بعدالة، وترسيخ العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة. فبينما يجد الفرد حقوقه الأساسية في التعليم، والصحة، والخدمات متاحة له دونما تمييز عرقي أو جهوي، يتعاظم عنده الشعور بالانتماء والولاء للمشروع الوطني. إن الشفافية في إدارة الثروات، والعدالة في توزيع الفرص، وتمكين الفئات الأكثر هشاشة كالمرأة والشباب، هي السياسات الحقيقية التي تصنع سلاماً مستداماً.

ويأتي التعليم ليتوج كل هذه الجهود؛ إذ إن المناهج التي تُعزِّز التربية المدنية ومهارات الحوار يمكنها أن تؤدّي دوراً محورياً في صياغة جيل جديد يرى السودان مساحة رحبة للعيش المشترك. بذا فإن الطريق نحو السودان الجديد يبدأ من هذا المزيج المتناغم بين ترميم العلاقات الإنسانية، وإعادة بناء الثقة المؤسسية، وخلق الفرص الاقتصادية التي تمنح الجميع شعوراً بالكرامة والمواطنة.

خلاصة القول، أن السلام في منتهاه، هو إعادة تعريف لحياة جديدة تقوم على المشاركة والكرامة والاحترام المتبادل. فهو يتجاوز بالضرورة الفعل البسيط المتمثل في إيقاف الحرب، لينتقل إلى الفعل الأكثر فاعلية والمُتمثّل في بناء الإنسان. فالسلام الحقيقي هو أن يشعر كُلُّ فردٍ، في أيِّ بقعة من بقاع الوطن الفسيح، بأنه صاحب حق أصيل في الكُلِّ الوطني، وأن مستقبله ونجاته الشخصية متصلان بشركائه الآخرين. وإذا أدركنا أن التنمية حقٌّ للجميع وليست امتيازاً تستأثر به فئة بعينها، نكون قد وضعنا اللبنة الأولى في بناء صرح السودان الذي يسع الجميع وينعم بسلام شامل ومستدام.

المراجع:

  1. خالد، منصور- (2003)-السودان أهوال الحرب وطموحات السلام -قصة بلدين – دار تراث.
  2. دينق، فرانسيس- (1995)- صراع الرؤى نزاع الهويات في السودان. The Brookings institution -Washington DC – ترجمة عوض حسن محمد أحمد.

*كاتب ومترجم.

:::