جنيف – دارفور24
كشفت بعثة تقصي الحقائق بشأن السودان عن أنماط من الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري تمارسه أطراف النزاع في السودان بشكل متزايد للسيطرة على السكان المحاصرين في البلاد.
وأفادت البعثة في تقرير قدمته إلى مجلس حقوق الإنسان، بأن الانتهاكات الواسعة النطاق للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وجرائم الحرب التي ترتكبها القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والمتحالفون معهما لا تُظهِرُ أي مؤشرات على التوقّف. كما قد تشكّل هذه الأفعال الجسيمة جرائم ضد الإنسانيّة.
ووثقت البعثة نمط مُمنهَج من الاحتجازات الجماعيّة والتعسفيّة تقوم به القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ضد أشخاص، استنادًا إلى تَصوّر ارتباطهم أو تعاطُفِهِم مع الطرف الآخر. وبقومان باحتجاز أفراد لمزاعم التعاون مع العدو، في ظروف بالغة القسوة، ومن دون أي أساس قانوني، أو ضمانات محاكمة عادلة، أو رقابة قضائيّة.
ويتعرضّ أشخاص للاحتجاز المطوّل أو التعذيب أو الاختفاء القسري أو حتى الموت. وتشمل الفئات المستهدفة صحفيّين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وعاملين في المجال الإنساني، ونشطاء سياسيّين، وقيادات دينيّة ومجتمعيّة، وجهات فاعلة في المجتمع المدني، وتجّار، ومدنيّين عاديّين، وأفراد عائلات المقاتلين، وفق البعثة.
ووثّقت البعثة كذلك نمطًا من الاحتجاز، يعقبُهُ الإكراه والابتِزَاز من قِبل قوات الدعم السريع، حيث يتمّ أمر العائلات على دفع مبالغ مالية طائلة مقابل الإفراج عن أقارب محتجزين، حتى أن المبلغ وصل في بعض الحالات إلى 25 مليون جنيه سوداني أو ما يقارب 40 ألف دولار أمريكي.
وأعربت البعثة عن قلقِها البالغ إزاء اعتقال ما لا يقل عن 70 شخصًا في الجنينة خلال شهرمايو الماضي من قبل الاستخبارات العسكرية التابعة لقوات الدعم السريع. ومن بين المحتجزين عاملين في المجال الإنساني. ولم ترِد أي معلومات عنهم منذ ذلك الحين.
كذلك وثّقت البعثة استمرار قيام القوات المسلحة السودانية بمضايقة واعتقال واحتجاز قادة مدنيّين، ومعارضين سياسيّين، ومحامين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وعاملين في المجال الإنساني، وصحفيّين، إشتُبِهَ في تعاونِهم مع قوات الدعم السريع.
وقالت إن صحفيّين ومقدمي معلومات مستقلّين عانوا من مضايقات واحتجازات وقيود مفروضة على الوصول إلى الإنترنت، مما يحدّ من تدفق المعلومات المستقلة خلال فترة الأزمة الحادة هذه.
وتلقت البعثة تقارير موثوقة عن انتهاكات جسيمة لضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك تأخيرات كبيرة في الوصول إلى المحاكم؛ وضمانات المحاكمة العادلة؛ وتقييد الوصول إلى المستشارين القانونيّين؛ والإكراه على الاعتراف؛ وحالات أفيد فيها بإعادة مقاضاة أفراد عن سلوك كان قد تمّ تبرئتهم منه سابقًا.
وقالت البعثة، إنها وثقت قضيّة محامٍ من سنجة معروف بدفاعه عن السجناء السياسيّين وضحايا القمع. كان قد أنشأ وحدة طبيّة لتقديم العلاج المجاني عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة؛ إلا أن القوات المسلحة السودانية، اعتقلته عقب دخولها سنجة، حيث تعرض للتعذيب على يد عناصر من لواء البراء بن مالك، قبل أن تصدر المحكمة الجنائية في سنار حكمًا بالإعدام بحقه في 5 أكتوبر 2025.
ظروف الاحتجاز
جمعت البعثة معلومات موثوقة تشير إلى أن ظروف الاحتجاز لدى كلا الطرفين غالبًا ما تكون قاسية وغير إنسانية، وتشكل تهديدًا جسيمًا ومباشرًا لحياة المحتجزين وسلامتهم الجسديّة. ويُحتجز المعتقلون عادة في مرافق مكتظة تفتقر إلى الغذاء الكافي، والمياه النظيفة، والرعاية الطبيّة، وخدمات الصرف الصحي، مما يعرّضهم لأمراض مثل الكوليرا. كما يُحتجز العديد منهم بمعزل عن العالم الخارجي، مما يزيد من خطر الاختفاء القسري.
وأفاد محتجزون لدى القوات المسلحة السودانية بتعرّضهم للصعق الكهربائي، والضرب المُبرح، وتجريدهم من ملابِسهم وصولًا إلى الملابس الداخليّة أثناء الاستجواب، وحرمانهم من العلاج الطبي. وتحدث هذه الممارسات في مرافق للاستخبارات العسكرية، ومواقع احتجاز غير مُعلَنَة، وكذلك في السجون الرسمية على حد سواء، مثل سجن بورتسودان المركزي.
ووصفت البعثة ظروف الاعتقال في سجن سوبا بالخرطوم عندما كان تحت سيطرة قوات الدعم السريع بـ”القاسية”. وأضافت “يبدو أن سجن نيالا في جنوب دارفور، يكتسبُ سمعةً سيئةً على نحوٍ خاص. إذ تفيد التقارير باحتجاز آلاف المعتقلين في هذا المرفق، بمن فيهم العديد ممن نُقلوا من الفاشر ومناطق أخرى”.
وأكدت وجود اكتظاظ شديد، ونقص في الرعاية الطبية، وانتشار أعمال العنف الجسدي، علاوة على ظروف احتجاز لا تتوافق مع الكرامة الإنسانية. محذرة من وقوع حالات اختفاء قسري في ظل غياب الإجراءات القانونيّة وحرمان الأهالي والمحامين من الزيارة.
وتلقت البعثة تقارير موثوقة تفيد بأن المحتجزين لدى كلا الطرفين قد تعرضوا لاستجوابات قسريّة ومعاملة سيئة وقاسية شملت الضرب، والعنف الجنسي، وغيره من أشكال العنف البدني والنفسي ما أدى لحالات وفاة.
وأعربت البعثة عن قلقِها البالغ إزاءَ انتشار العنف الجنسي على نطاقٍ واسع ومنهجي والذي ترتكبه قوات الدعم السريع ضد نساء وفتيات؛ بجانب ممارسة التعذيب ذات الطابع الجنسي ضد رجال محتجزين لدى القوات المسلحة السودانية.
وشدّدت البعثة على أن التصدي للإفلات من العقاب في حالات الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري، يُعدّ أمراً أساسياً لمنع ارتكاب مزيد من الانتهاكات، ويعزّز فرص التوصّل إلى حل سلمي للنزاع.
وجدّدت البعثة دعوتها لدعم الضحايا، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وتوسيع ولايتها القضائية لتشمل ما يتجاوز دارفور، وإنشاء آلية قضائية دولية مستقلة تعمل بتعاون وثيق مع المحكمة الجنائية الدولية، والجمع المنهجي للأدلة وحفظها من أجل إجراءات جنائية مستقبلية، وفرض عقوبات محدّدة.
وقال محمد شاندي عثمان، رئيس بعثة تقصي الحقائق: “لا يزال المدنيون يتحملون العبء الأكبر لهذا النزاع. فهم لا يتعرضون للهجمات والعنف المباشر فحسب، إنما يواجهون أيضا نظاما يزداد في قمعه واحتجازاته التعسفية ورعبه المُسيطر على كافة أوجه الحياة. وما لم يتِم وضع حد لهذه الأنماط، فإنها ستؤدي إلى مزيد من تقويض الحماية وتعميق الكارثة الإنسانية وكوارث حقوق الإنسان في السودان”.
وأضاف عثمان شاندي: “إن حجم هذه الانتهاكات وخطورتها يؤكدان على أن هذه الحوادث هي ليست حالات معزولة، إنما هي جزء من نمط أوسع من الانتهاكات، وهو نمط يؤكد الحاجة الملحّة إلى المساءلة وإلى اتخاذ إجراءات دوليّة منسّقة لمنع ارتكاب المزيد من الفظائع.”
وحث البعثة جميع الأطراف على الوقف الفوري لممارسات الاعتقال والاحتجاز التعسفي؛ والإفراج عن جميع الأفراد المحتجزين لأسباب سياسيّة أو دون أساس قانوني؛ وضمان المعاملة الإنسانية وضمانات المحاكمة العادلة لجميع المحتجزين؛ ومنح الهيئات المستقلة إمكانية الوصول الكامل ودون عوائق إلى مرافق الاحتجاز؛ والكشف عن مصير جميع الأشخاص المحتجزين ومكان وجودهم ووضعهم القانوني.

