عزّة أبو عوف*

المسافة الفاصلة بين مدينة الفاشر في أقصى غرب السودان ومحلية الدبة بالولاية الشمالية لم تكن مجرد مئات من الكيلومترات، تُقطع  للوصول لخارج مناطق الاشتباكات؛ إنما هي مسافات تقطع للتمسُّك بالمُتبقّي من السودان، هي مساحات للتلاقي والأمل في مستقبل يجسد رغبة المجتمعات في حماية نسيجهم الاجتماعي   .

“إنَّ الخيرَ موجودٌ ما دامت القلوبُ حيّة، وما دام هناك من يؤمن بأنَّ يداً واحدة قد لا تصنع الكثير، لكن أياديَ متّحدة تصنع المستحيل”. هذا هو منفستو شباب مدينة الدبة بالولاية الشمالية لدعم النازحين في السودان؛ تلك الأيادي التي تَعرِفُ أن مُهمَّتها شبه مستحيلة، لكنها مُؤمنة بأن في اتحادها القدرة على صناعة المستحيل.

هذا المنفستو كان رسالة يدحض  بها هؤلاء الشباب حملات العنصرية من خلال  تفانيهم في خدمة النازحين من جحيم الحرب في دارفور، ويستقبلونهم في الطرقات بالغذاء والماء رافعين شعاراً واحداً: “نمد الأيادي لنزرع الأمل”. يعملون ليل نهار في خدمتهم، مؤكدين أن الشعب السوداني لا يمكن أن تُفرِّقَه خطابات يُروج لها المُنتفعون من الحروب.

مبادرة شباب الدبة

​قدمت “مبادرة شباب الدبة لدعم النازحين” الخدمات لآلاف الفارين الذين وصلوا إلى المدينة منذ بداية الحرب في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع؛ حيث استقبلت المحلية  210,776 نازحاً ونازحة، تُشكِّل النساء 70% منهم، وبمعدل 33,939 أسرة، وذلك قبل سقوط الفاشر ونزوح الآلاف من المواطنين ووصولهم إلى الدبة مؤخراً، مما يعني أن هذه الأرقام قد تضاعفت حالياً. ويوجد في المحلية أكثر من 22 معسكراً رسمياً للنازحين، فضلاً عن التجمعات العشوائية، وفقاً لتقرير لجمعية الهلال الأحمر السوداني.

​وفي الوقت الذي استباح فيه خطاب العنصرية مواقع التواصل الاجتماعي، ونشطت دعاوى التفرقة، يُقدِّم الشباب في السودان من خلال المبادرات والتكايا درساً بليغاً في المحافظة على النسيج الاجتماعي؛ عبر مُمارسة فعلية مع المجتمعات المحلية تُفنِّد الخطاب الجهوي الطاغي في الوسائط الإعلامية، وتُواجه خطر تقسيم البلاد، مما يؤكد أن المبادرات الشبابية قادرة على حماية النسيج الاجتماعي ومواجهة تلك الحملات.

نموذج لتعزيز السلام الاجتماعي

​وفي هذا السياق، تقول الناشطة المجتمعية نسيبة بشير: “إن الوضع الحالي يحتاج إلى تكاتف الجميع”. وتؤكد أن السودان يُواجِهُ حملةً غير مسبوقة من خطابات الكراهية المُمنهجة والتجييش الجهوي والعنصري، واعتبرت أن مدينة الدبة هي النموذج المثالي لمواجهة هذا الخطاب، نظراً لوجود مئات الآلاف من أبناء دارفور ومناطق السودان المختلفة بها، مما يجعلها فرصة حقيقية للتعايش السلمي والمحافظة على النسيج الاجتماعي.

​وذكرت نسيبة أن المبادرة انطلقت منذ بداية الحرب، حيث كانوا يستقبلون النازحين في الشوارع العامة لتقديم الوجبات الغذائية والمياه، والوقوف على أوضاعهم، وتأمين منازل يتبرع بها المواطنون لاستضافتهم. ثم تطور الأمر لاحقاً إلى رعاية النازحين داخل المعسكرات، وتأمين الملابس والأغطية، والإشراف المباشر على التكايا. وأوضحت أن دورهم لا يقتصر على الجانب الإنساني الإغاثي فحسب، إنما يمتدُّ إلى تعزيز السلام المجتمعي عبر ترسيخ قيم التضامن والتعايش بين المجتمعات المحلية والنازحين.

استعادة الهوية الوطنية

​وفي السياق، أشارت الخبيرة واستشارية علم النفس الاجتماعي الميداني، الأستاذ د.نجلاء عبد المحمود، إلى أن ما يسطره هؤلاء الشباب يتجاوز المفهوم التقليدي لـ “العمل التطوعي”، ليصنّف  بأنه “ظاهرة لاستعادة الهوية والكرامة المسلوبة”. ​وتوضح الأبعاد النفسية العميقة لهذا التدخل قائلةً: “في سياقات النزوح واللجوء، لا يفقد الإنسان مسكنه وممتلكاته المادية فحسب، بل يتعرض لتجريف حاد في تعريفه لذاته؛ حيث تُختزل هويته وتاريخه في قوالب قسرية وسلبية مثل (نازح) أو (ضحية). هنا تأتي المبادرة الشبابية لتقدم بديلاً نفسياً وعملياً صارخاً وتخاطبه: (لا، أنت لست مجرد رقم أو متلقٍ عاجز، أنت ذاتٌ فاعلة وقادرة على العطاء). هذا الانتقال للمتضرر من خانة (مستقبل المساعدة) السلبي إلى رحاب (صانع الأثر) الإيجابي، هو أقوى تدخل علاجي ممكن؛ لأنه يستهدف جذر الصدمة المتمثل في العجز المتعلّم، ويعيد بناء الكرامة المُهدَرة”.

​ولفتت إلى أن استجابات المنظمات الدولية الرسمية تظل قاصرة مقارنة بالحراك الشبابي، لأنها تركز على “المعادلات اللوجستية الصماء” (كم خيمة؟ كم وجبة؟ كم بطانية؟) ملبيةً الاحتياجات البيولوجية للجسد فحسب، بينما تقف عاجزة أمام تداعي الروح الجماعية وتمزق النسيج المجتمعي.

وتضيف ​نجلاء: “في المقابل، يمتلك الشباب “المعرفة السياقية العميقة”؛ وهو ذكاء ثقافي محلي يتيح لهم فك شفرات المجتمع السلوكية، وإعادة حياكة النسيج الذي يكاد يتمزّق. فحين ينظم الشباب إفطاراً جماعياً أو يديرون تكية، هم لا يقدمون طعاماً فقط، إنما يُعيدون إحياء “المائدة المشتركة” التي تُحوِّل الغرباء إلى جيران ثم إلى شبكة دعم متبادلة، وبذلك يعيدون إنتاج “المجتمع” وضخ قيم “المواطنة” في مساحات جُردت من كل ذلك” .

الاستدامة: ترياق الأمل

​ومن جانب آخر، حذرت الخبيرة الاجتماعية من خطر “الاحتراق النفسي للقادة”، لكون هؤلاء الشباب يشكلون جزءاً من مجتمع الضحايا، ويحملون صدماتهم الشخصية، ويستنزفون طاقاتهم دون وجود برامج رعاية عكسية لحمايتهم، إضافة إلى احتمالية وقوعهم في “فخ التسييس والاستغلال”، إذ تظل المبادرات المستقلة مطمعاً لأجندات تسعى لتوظيف هذا الزخم الإنساني.

​وشددت نجلاء  الجيلي على ضرورة ضمان استدامة هذه الكيانات، لافتة إلى أن “غياب الاستدامة” والتوقف المفاجئ للمبادرات يورث المجتمع صدمة ارتدادية عنيفة وألم فقدٍ قد يكون أشد إيلاماً مما لو لم تقم المبادرة أصلاً.

​وترى الخبير الاجتماعي أن المعركة الحقيقية داخل مراكز الإيواء هي معركة وجودية شرسة لإبقاء الروح والمعنى حيَّيْن، ولإبقاء الناس في رتبة (البشر) لا مجرد (نازحين)، وقالت إن “الشباب هم جنود هذه المعركة الصامتة”. ​وأشارت إلى أنه “لا يوجد تدخل نفسي-اجتماعي أعمق أثراً من ترياق ينبت من ذات تربة الألم، ويُسقى  بأيدي من تجرعوا مرارته ليثمر كرامة وأملاً ومجتمعاً من جديد”.

*صحفية سودانية