إسماعيل حسابو*
في شهر أبريل كانت الخرطوم غارقة في هواجسها، وكانت الصحف مجهدة ومستغرقة في مهمتها. مساء الخميس 13 أبريل 2023، كانت هيئة تحرير صحيفة “الحداثة”، قد فرغت لتوّها من اعتماد خطة متكاملة لترقية العمل. شملت الخطة تطوير الموقع الإلكتروني، إلى جانب الارتقاء بالمحتوى التحريري. وذلك، عقب توقف وتعثرات متكررة بسبب انقلاب 21 أكتوبر، وتم تحديد السبت 15 أبريل موعدًا لانطلاق المرحلة الجديدة. غير أن هذا الموعد لم يُكتب له أن يبدأ؛ إذ سرعان ما تحولت الخرطوم إلى ساحة مواجهات مسلحة عنيفة، معلنة اندلاع حرب شاملة امتدت آثارها لتطول مقر «الحداثة» وسائر المؤسسات الصحفية والإعلامية.
ويروي رئيس تحرير “الحداثة”، يوسف حمد، ملامح اللحظة التي سبقت اندلاع الحرب، مستعرضاً كيف كانت إدارته تستعد لمرحلة جديدة، قائلاً: “يمكن القول إننا كنا على وشك إطلاق مرحلة جديدة من العمل، غير أن اندلاع الحرب غيّر كل شيء بشكل كامل ومفاجئ”. ويضيف أن الصحيفة أغلقت منذ اليوم الأول بسبب قرب مقرها من مناطق الاشتباكات، ما جعل الاستمرار مستحيلاً.
السلام والأمل
عبر تاريخها الممتد، لم تكن الصحافة السودانية مجرد مرآة عاكسة للأحداث، ولكنها ظلت على الدوام، أداة حيوية لدفع أجندة السلام وإرساء قيم التعايش السلمي. وبرز دورها جليا في تسليط الضوء على جذور النزاعات وطرح منصات حوارية لجمع الفرقاء، فضلا عن محاصرة خطاب الكراهية والحد من انتشار الشائعات التي تذكي الصراعات، لكن منذ اللحظات الأولى لاندلاع حرب أبريل، دخلت المؤسسات الصحفية والإعلامية في السودان، في حالة شلل كامل، مع توقف الصحف الورقية عن الصدور، وتعطل القنوات التلفزيونية والإذاعات، إلى جانب تعرض البنية التحتية الإعلامية للاحتلال أو التدمير.
ومع اتساع رقعة الحرب، تشتت الصحفيون بين النزوح الداخلي ومغادرة البلاد أو التوقف القسري عن العمل، ما أفضى إلى فراغ مهني غير مسبوق في تاريخ الإعلام السوداني الحديث. لكن لم تكن بالطبع تلك النهاية للدور الملهم للصحافة السودانية، في السعي لصناعة سلام مستدام ينشده الجميع، فرغم المخاطر الأمنية والمهنية، واصل صحفيون أداء رسالتهم بكفاءة وتجرد، محوّلين المعاناة إلى إنجازات، من خلال تأسيس غرف طوارئ رقمية ومبادرات صحفية مستقلة عملت على رصد الانتهاكات، ودعم جهود السلام المجتمعي، ونقل صوت الفئات الأكثر تضرراً، مؤكدين أن الإعلام المهني هو شريك أساسي في وضع لبنات الاستقرار وبناء مستقبلاً معافى قوامه السلام والأمل.
وفي هذا السياق، برزت نقابة الصحفيين السودانيين، منذ اندلاع الحرب، كواحدة من أبرز الجهات التي تابعت ورصدت الانتهاكات بحق الصحفيين، في وقت قُتل فيه أكثر من 35 صحفيًا، ولا يزال 4 صحفيين مفقودين قسرًا، فيما يقبع 5 آخرون رهن الاعتقال. كما وثّقت النقابة أكثر من 500 انتهاك طالت المؤسسات الإعلامية والعاملين فيها، ما أهلها للتتويج بجائزة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، «اليونسكو/غييرمو كانو العالمية لحرية الصحافة لعام 2026»، تقديرًا لدورها في توثيق وكشف الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها الصحفيون.
ورغم وطأة الحرب، واصل عدد من الصحفيين السودانيين حصد جوائز دولية مرموقة، تؤكد قدرة الصحافة السودانية على المنافسة والتميّز رغم النزوح والتشريد وغياب شروط العمل الآمن. اَخرها، في مايو الجاري، حيث تُوّج الزميلان في مكتب قناة الشرق خالد عويس وسامي اللباب، بذهبية جوائز «تيلي أووردز» العالمية، إحدى أبرز الجوائز التلفزيونية، فيما نال الزميل محمد الفاتح يوسف همت جائزة حقوق الإنسان التي أطلقتها المبادرة السودانية لحقوق الإنسان.
موت الحقيقة
عن تأثير الحرب عليه شخصياً كصحفي، يوضح يوسف حمد، أن ممارسة الصحافة وفق متطلباتها المهنية أصبحت أمراً مستحيلاً في ظل الظروف الأمنية وانهيار بيئة العمل، مشيرًا إلى أن تدمير المؤسسات الإعلامية عمّق حالة التعطل المهني الكامل.
وفي السياق ذاته، يقول الصحفي، أيمن مستور، إن الحرب حوّلت العمل الصحفي إلى مخاطرة يومية، مضيفًا: “توقف العمل تمامًا بعد اندلاع الحرب، وحتى بعد محاولات العودة، لم أعد قادرًا على العمل بسبب فقدان المعدات والمصادر والمخاطر الأمنية”. ويشير إلى أن معاناته كصحفي تمثلت في النزوحالمستمر وانعدام الإمكانيات، ما جعل الاستمرار فيممارسة المهنة أكثر صعوبة.
وتعكس تجربة الصحفية درة قمبو، جانبًا من معاناة الصحفيين السودانيين، بعد منعها من دخول مصر لزيارة أسرتها وترحيلها رغم وصولها مطار القاهرة وبموافقة أمنية مسبقة، في واقعة تُبرز القيود المفروضة عليهم حتى خارج البلاد. وفي تعليقها، رأت قمبو أن واحدة من أخطر تداعيات الحرب تمثلت في إجبار الصحفيين على العمل في ظروف تفتقر للحماية الكافية، معتبرة أن ذلك شكّل التحول الأبرز في بيئة العمل الصحفي.
وفي قراءته لتأثير الحرب، يؤكد الصحفي عبد الله رزق، صاحب كتاب “مغرب الصحافة السودانية التقليدية”، أن تداعيات الحرب امتدت آثارها إلى مختلف مناحي الحياة في البلاد دون استثناء، بما في ذلك، الصحافة، حيث توقفت المؤسسات الإعلامية وتعرضت لدمار واسع، فيما تشتت الصحفيون بين الملاجئ والمنافي ومراكز النزوح، ولم يبقَ رابط بينهم سوى “الإطلالة” التي باتت، على حد تعبيره، مساحة مشتركة تجمعهم في واقع الشتات.
ويضيف رزق، الذي جرى تكريمه في باريس، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة 2026م، من قبل اتحاد الصحافيين والكتاب العرب في أوروبا، أن السودان فقد إحدى أبرز مؤسساته التنويرية والإعلامية، ما أدى إلى تراجع الدور التنويري للصحافة وحلول “الظلام” محلها، بدلاً من مواصلة دورها في إضاءة الواقع العام للجمهور.
وفي هذا الإطار، يرى رئيس نقابة الصحفيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس، أن الأزمة تجاوزت حدود التعطيل المؤقت إلى تفكيك بنية المهنة نفسها، قائلاً: “لم تكن الحرب في السودان مجرد صراع ميداني، بل امتدت آثارها إلى بنية الحقيقة نفسها”.
ويصف أبو إدريس، ما جرى بأن “الحقيقة ماتت” مع استهداف المؤسسات الصحفية المهنية، التي كانت من أوائل القطاعات التي تعرضت للتدمير والنهب، ما أدى إلى فقدان نحو 80% من الصحفيين والصحفيات لوظائفهم، وفتح المجال أمام تحولات جذرية في مصادر المعلومات.
مع هذا الواقع، اتجه بعض الصحفيين للعمل عن بُعد أو من المنافي، غير أن ذلك لم يعوض غياب التغطية الميدانية. ويقول الصحفي مرتضى أحمد إنه يواصل عمله من خارج السودان، إلا أن ضعف الاتصالات وصعوبة الوصول إلى المصادر، خاصة في دارفور وكردفان، جعلت التغطية منقوصة، مضيفًا أن الصحفي خارج الميدان لا يستطيع نقل الحدث كما يراه، ما يجعل العمل غير مكتمل.
وأضاف أن بعض المواقع الإلكترونية واصلت عملها من خارج البلاد، لكن القليل منها فقط ظل مستقلًا ومحايدًا، ونجح جزئيًا في سد جزء من الفراغ المعلوماتي، غير أن هذا الجهد يظل محدودًا مقارنة بحجم المأساة التي كان يتطلب توثيقها نقلًا أكثر فاعلية ووضوحًا للانتهاكات والمجازر بحق المدنيين.
فوضى المعلومات
وفي المقابل، أدى غياب الصحافة المهنية إلى فراغ إعلامي واسع شغلته منصات رقمية وصفحات غير متخصصة، لتنتقل صناعة الخبر من المؤسسات المهنية إلى فضاء تحكمه السرعة والتفاعل أكثر من الدقة والتحقق.
وفي هذا السياق، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى المصدر الرئيسي للأخبار، وهي بيئة، بحسب عبد المنعم أبو إدريس، تفتقر إلى المعايير المهنية، ولا يديرها في الغالب صحفيون محترفون، ما أتاح انتشار الشائعات والأخبار الزائفة وخطاب الكراهية، لتصبح خسارة السودان بغياب الصحف المهنية “لا تقدر بثمن”.
وفي موازاة ذلك، يلفت رئيس مجلس الصحافة والمطبوعات السابق، حسام الدين حيدر، إلى أن تعثر المؤسسات الإعلامية التقليدية، بما في ذلك المنصات الإلكترونية، لم يترك فراغاً فحسب، بل فتح المجال أمام صعود متسارع لوسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للمعلومات، وهو تحول يرى أنه ينطوي على مخاطر متزايدة، في ظل ما يرافقه من انتشار واسع للشائعات والمعلومات غير الموثوقة، وتراجع في معايير التحقق والانضباط المهني.
وفي هذا الصدد، يرى الكاتب والباحث، حسان الناصر، أن صعود فاعلين مؤثرين في الفضاء العام وقدرتهم على توجيه الرأي العام نحو قضايا محددة، يرتبط بشكل مباشر بغياب الصحافة وضعف المهارات المهنية، رغم الإرث التاريخي الكبير الذي راكمته الصحافة السودانية عبر مختلف المراحل.
ولفت الناصر، إلى أن التحولات التي فرضها انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية،أعادت تشكيل مفهوم الصحافة التقليدية، مشيراً إلى أن الصحافة بصيغتها القديمة تراجعت، لكنها ما تزال تحتفظ بأهميتها وتأثيرها، خاصة في ظل غياب المؤسسات السياسية وما يرافقه من ضعف في المرتكزات المنظمة للفضاء العام، وهو ما ينعكس بدوره على أداء الصحافة.
تضارب الروايات
مع هذا التحول، تصاعدت ظاهرة المعلومات المضللة وتضارب الروايات، خاصة في ظل غياب آليات التحقق وضعف التغطية الميدانية المباشرة، ما ساهم في تعقيد المشهد المعلوماتي وزيادة مستويات الالتباس. ويقول الصحفي محمد المختار، المهتم بقضايا مكافحة التضليل الإعلامي، إن غياب الصحافة المستقلة بفعل الحرب، يمثل “كارثة حقيقية تتجاوز حدود المهنة إلى المجال العام بأكمله”، مشيراً إلى أن انهيار المؤسسات الإعلامية أوجد فراغاً واسعاً جرى استغلاله سريعاً من قبل أطراف متعددة تسعى للتأثير في اتجاهات الرأي العام.
ويضيف المختار، أن هذا الفراغ لم يكن محايداً، بل تحول إلى بيئة خصبة لانتشار شبكات التضليل والدعاية، قائلاً: “غياب الصحافة المستقلة فتح الباب أمام غرف تضليل منظمة، عملت على ملء المساحة الإعلامية بمعلومات مغلوطة وموجهة، في ظل غياب أي مرجعية مهنية قادرة على التحقق أو الضبط”.
وتعكس هذه التحولات تراجع قدرة الصحافة المهنية على ضبط السرديات، مقابل صعود محتوى غير موثوق يعيد تشكيل الوعي العام ويؤثر على إدراك الجمهور للأحداث، ما أدى إلى تراجع الثقة في المعلومات وتزايد حالة الارتباك.
وحسب أستاذ الإعلام في جامعة الفاشر، الدكتور أنور شمبال، فإن ما يجري لا يتعلق فقط بغياب الأخبار، بل بإعادة تشكيل المجال العام نفسه، موضحاً: “هذا الواقع، يتغذى على طبيعة الفضاء الرقمي الذي يتيح تداولًا واسعًا للمحتوى دون تدقيق كافٍ، حيث لا تقود وفرة المعلومات بالضرورة إلى معرفة أدق، بل قد تفضي إلى العكس، إذ تُبنى تصورات الجمهور استنادًا إلى مصادر غير متصلة بالأرض”.
وعلى ضوء ذلك، يرى حيدر، أن ما جرى لم يكن مجرد تراجع في الأداء، بل إعادة تشكيل عميقة لدور الإعلام ووظيفته داخل المجتمع، كشفت أزمة مركبة تمس المهنية واستدامة المؤسسات. ويشير إلى أن التغطيات الإعلامية انزلقت تدريجياً نحو تبني سرديات أطراف النزاع، مع تصاعد الانحيازاتداخل المحتوى، ما أضعف الإعلام المستقل وأفقد الخطاب توازنه المهني، ليغدو المشهد أقرب إلى “إعلام الحرب” بدلًا من الإعلام بوظيفته التقليدية.
وبينما يلخص يوسف حمد، هذا الأثر قائلاً: “إن حياة السودانيين ما زالت تدور في الظلام بسبب خسارة الصحافة المهنية، ومن المستحيل خوض الحياة وفهمها بغير الصحافة”، يرى مدير مكتب قناة “الشرق” في السودان، خالد عويس، أن الإعلام السوداني تأثر منذ اندلاع الحرب بهشاشة الفضاء العام، ما انعكس سلباً على أداء الصحافة في ظل تصاعد الانقسامات السياسية والاجتماعية والإثنية وانتشار خطابات الكراهية. ويضيف أن الصحفيين يواجهون ضغوطاً وقيوداً متزايدة في بيئة مضطربة تتسم بالسيولة والتعقيد، مع شح المعلومات وتعدد الإكراهات، رغم استمرار عدد منهم في العمل بمهنية وشجاعة وسط مخاطر كبيرة.
غير أن الباحث، حسان الناصر، يرى أن أثر غياب الصحافة السودانية، خلال فترة الحرب، لا يمكن عزله عن مسار الانهيار الأوسع الذي سبق اندلاع النزاع، والذي طال مؤسسات الدولة والمجتمع المدني على حد سواء، موضحًا أن هذا التراجع ارتبط بشكل مباشر بالأزمة الاقتصادية التي شهدتها البلاد، وانعكست تداعياتها على مختلف الجوانب الاجتماعية والثقافية، وكانت الصحافة من بين أكثر القطاعات تأثرًا بهذه التحولات.
غياب الصوت
أما على مستوى التغطية الدولية، فقد اعتمدت وسائل إعلام خارجية في كثير من الأحيان على مصادر غير مباشرة أو محدودة، ما أسهم في غياب الرواية المحلية الدقيقة لصالح سرديات جزئية لا تعكس تعقيدات الواقع السوداني. ويوضح د. شمبالأن غياب هذا الصوت لم يعد مجرد نقص في التمثيل، بل تحول إلى عامل مباشر في إنتاج سرديات غير دقيقة عن السودان، مشيراً إلى أن جانباً من التناول الإعلامي العالمي يتم عبر متحدثين من خارج السياق المحلي، ما يضعف دقة المعلومات ويقلل من ارتباطها بالواقع الميداني.
وحسب درة قمبو، التي تعمل مراسلة لتلفزيون العربي، فإن الصحفيين العاملين بمؤسسات إعلامية تتيح لهم قدراً محدوداً من الحماية، ظلوا ملزمين في الغالب بخطوط تحريرية منحازة، مشيرة إلى أن هذه المؤسسات، في كثير من الحالات، لم تكن محايدة في تغطيتها، وهو ما انعكس على طبيعة التناول الإعلامي للأحداث.
وأوضحت أن الحرب أدت إلى تغييب قطاع واسع وأساسي من الصحافة المحلية، التي كانت تمثل في السابق مصدراً رئيسياً لوسائل الإعلام العالمية، إلا أن هذا الدور تراجع بشكل كبير، حتى بالنسبة للمنصات التي واصلت عملها عبر الإنترنت، والتي باتت ـ بحسب تعبيرها ـ تعمل في الغالب ضمن اصطفافات مرتبطة بأطراف النزاع.
لكن في تقييمه لأداء وسائل الإعلام الدولية، يرى، خالد عويس، أنها نجحت إلى حد كبير في تغطية حرب معقدة ذات أبعاد ثقافية وإثنية وسياسية، رغم محدودية تدريب بعض الصحفيين على تغطية النزاعات بوصفها مجالاً تخصصياً. ومع ذلك، يرى أن هذه التغطية، لا تعكس الواقع بشكل كامل، مشيراً إلى أن اتساع رقعة السودان وتعقيد المشهد يجعلان من الصعب الإحاطة بكل تفاصيل الأحداث ميدانياً.
ويضيف عويس، أن شح المعلومات وتزايد الأخبار المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي زادا من تعقيد المشهد، مشيراً إلى أن الجمهور يميل أكثر إلى الثقة في وسائل الإعلام الدولية لما تتمتع به من مهنية ودقة أعلى.
إعادة تشكل
وبين توقف المؤسسات وتشتت الكوادر، يدخل الإعلام السوداني مرحلة إعادة تشكل معقدة، وسط تساؤلات حول إمكانية استعادة الوظيفة المهنية للصحافة في بيئة ما بعد الحرب. وانطلاقاً من ذلك، يشدد الناصر،على ضرورة طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الصحافة في السودان، مؤكداً أهمية بناء مؤسسات صحفية قادرة على تقديم محتوى عالي الجودة يمكن الاعتماد عليه في توجيه الرأي العام وخدمة مصالح الدولة والمجتمع.
لكن تبدو عودة الصحافة إلى سابق عهدها مرهونة بجملة من الاشتراطات الأساسية، في ظل ما خلّفته الحرب من تراجع في البنية المؤسسية وتحديات مهنية واقتصادية، وهنا يشترط حسام حيدر، تعزيز الاستقلالية عن أطراف النزاع والأجندات السياسية، إلى جانب إعادة توجيه البوصلة الإعلامية نحو قضايا المواطنين وقصصهم وحقوقهم اليومية. بينما يحذر أبو إدريس، من أن غياب الإعلام المنظم أسهم في تصاعد الخطابات المناطقية والجهوية والإثنية، ما جعل استعادة دور الصحافة عملية معقدة تتطلب بيئة مؤسسية قادرة على استيعاب الطاقات الصحفية، عبر تمويل كافٍ وأطر قانونية واضحة وتطوير نماذج العمل الإعلامي.
وهنا تشدد درة قمبو، على أن استعادة الصحافة السودانية لدورها مرهونة بعودة مساحة حرية حقيقية، تسمح بعودة الصحافة المحلية إلى دورها الطبيعي، في ظل واقع باتت فيه التغطيات الصحفية أقرب إلى جهود فردية منها إلى عمل مؤسسي.
وبدوره، يعتبر المختار أن استمرار الحرب يبقي الاستقطاب مسيطراً على المشهد الإعلامي، ويجعل استعادة الثقة مرهونة بإصلاحات عميقة تشمل التمويل وبناء مؤسسات مستقلة وإعادة تأهيل الممارسة المهنية.
وفي مقابل الآمال باستعادة دورها المهني، يرى يوسف حمد أن الصحافة تظل ضرورة لا غنى عنها، فيما اعتبرت درة قمبو، أن الصحافة في جوهرها وُجدت من أجل المواطن، وأن وظيفتها الأساسية تتمثل في معالجة آثار الصراع لا إعادة إنتاجه، من خلال الحد من خطاب الكراهية وتعزيز قيم الديمقراطية والحكم المدني، بما يسهم في نقل المجتمع من الانتماءات الضيقة إلى فضاء المواطنة الحقة وتحقيق السلام المستدام.
*صحفي سوداني

