رحاب فضل السيد*
لقد ظلت “الحواشة” في مشروع الجزيرة أكثر من مجرد مساحة إنتاج زراعي، بل أصبحت مسرحاً لتبادل المصالح،بين العمال الزراعيين والمزارعين، ومساحةً تُعاد فيها صياغة العلاقات اليومية بين الناس هناك، الأمر الذي فرض شكلاً من أشكال التعايش الاجتماعي، فتحولت “الحواشة” إلى واحدة من مُمسكات السِّلْم الاجتماعي،حيث تراجعت الفوارق المختلفة لمصلحة ضرورات الإنتاج،وربما الإدراك الجمعي العميق، بأن استقرار الأرض وبالتالي الإنتاج الزراعي، يَنبع من استقرار من يَعملون عليها.
“زالنجي الجديدة“، هذا الاسم الذي يرجع إلى بك إلى ولاية وسط دارفور الواقعة غربي البلاد، اسم لواحدة من قرى العُمَّال الزراعيين بولاية الجزيرة وسط السودان التي تُعرَفُ بـ “الكنبو”، وهي مُشتقَّة من الكلمة الإنجليزية “Camps” ، أي معسكرات أو مخيمات، ويَرجِعُ تأسيسها لتأريخ إنشاء مشروع الجزيرة في العام 1925م.ويعود سكان الكنابي إلى مجموعة متنوعة الأعراق تعود جذورها إلى كردفان ودارفور بغرب السودان. وتُبنى بيوت الكنابي باستخدام مواد بسيطة مثل الطين والقش. وعادةً ما تقع الكنابي في أطراف القرى الزراعية، قرب مشاريع الري الكبيرة.
كانت قرية العمال هذه لوقت قريب تعتمد على جاراتها من قرىوبلدات المزارعين مثل بلدة اللَّعوتة بمحلية الكاملين شمالي الجزيرة، في خدمات المياه والصحة والتعليم والمياه، حتى بدأت تتسلَّلُ إليها التنمية شيئاً فشيئاً برغبة سكانها في توطين الخدمات، فبدأت تتشكَّل القرية في صورة جديدة عندما صدَّقت السلطات المحلية بالولاية لسكانها بمدرسة أساس أعقبتها خدمات الكهرباء والمياه.
تُمثِّل زالنجي الجديدة نموذجاً من شمال ولاية الجزيرة لقرى العمال التي نهضَتْ وتطوَّرَت ووجدَتْ نصيباً معقولاً من الخدمات بالجهد الذاتي لسُكَّانها. وفي غرب الجزيرة، ربما الحال مختلفٌ بعض الشيء نسبة لتراجع مؤشر التنمية في المنطقة عامة؛ فمن الطبيعي أن تخلو قرى المُزارعين من الكهرباء والمياه والمراكز الصحية مع تمركز هذه الخدمات في القرى الكبيرة، التي تُصبح مراكزَ لاستقبال الطّلّاب والمرضى من القرى المُجاوِرة من قرى العمال هذه، ونشأت علاقات متينة بينهم بفضل المصالح المُشتركة النابعة من طبيعة مشروع الجزيرة الذي يُمثِّل بنية اجتماعية أكثر من كونه تجمعاً بشرياً.
تقرأ وتكتب وتُبدع
أكثر من ثلاثة كيلومترات تقطعها الأستاذة فاطمة عبد القادر يومياً من قريتها اللعوتة إلى قرية زالنجي الجديدة لأداء رسالتها التربوية تجاه أبناء القرية المتشوقين إلى التعليم، حيث اجتهد الأهالي في بناء مدرسة للتعليم الأساسي بدأت بنحو 300 طالب وطالبة، ثم تضاعف العدد إلى 900 طالب وطالبة، بعد أن تولَّت الأستاذة فاطمة إدارة المدرسة، فأصبحت واحدة منهم بفضل ما نشأ بينها والتلاميذ وذويهم من علاقة إنسانية فريدة، فشاركتهم الأفراح والأحزان. ولأن المدرسة كانت الوحيدة في القرية، فقد كانت تستقبل الطلاب من الجنسين البنين والبنات معاً، قبل أن تبدأ ملامح التطوير والتغيير إلى الأفضل، مع تولّي الأستاذة فاطمة إدارة المدرسة. وهنا تقول فاطمة إن الدعم الكبير الذي وجدته من محيطها الاجتماعي من قريتها أو من قرية زالنجي، أسهم بشكل واضح في تطوير المدرسة وفصل الاختلاط تدريجياً، فبدأت الجهود ببناء فصل جديد لطلاب الصف الأول، ثم توسَّعت لتشمل الصف الثاني، إلى جانب الشروع في إنشاء مسرح مدرسي، وكانت القفزة في مشاركة المدرسة في الدورة المدرسية لأول مرة؛ إلا أن هذه المسيرة توقفت بعد نقل الأستاذة فاطمة إلى مدرسة أخرى.
“حالة دريش“
ويُعرِّف بروفيسور عبد اللطيف البوني، الذي يُعْرف بانتمائه العميق إلى مجتمع الجزيرة، مصطلح التعايش السلمي الموجود بين مكونات الجزيرة المُختَلفة، أي بين قرى العُمّال الزراعيين والمُزارعين، بأنه درجة من درجات المُجاوَرة الحذرة التي قد تَصِلُ إلى حالة الاندماج الكامل، وقد تصل كذلك إلى حالة من النزاع والتّوتّر، وهذه الحالة هي ما وصفها البوني بمرحلة “دريش”، وتَعني بلغة الطاحونة “مابين التنعيم والحبة الكاملة“.
وبحسب البوني، فإن الراجع إلى تاريخ تكوين مشروع الجزيرة يجد أن سياسة بريطانيا القائمة على فصل السودان من مصر، جعلت الإنجليز يُفكِّرون في جلب العمالة لجني محصول القطن بمشروع الجزيرة، من غرب السودان بل وحتى من غرب أفريقيا بدلاً عن مصر، التي كانت تزرع القطن طويل التيلة في ذلك الوقت، وكان الإنجليز يُريدونها عمالة مؤقتة للأعمال الفلاحية الموسمية وحصرهم في “Camps” أي معسكرات، ومنعت فيها البناء بالمواد الثابتة،ولكن بعد خروج الإنجليز وتوسُّع الزراعة في مشروع الجزيرة ودخول زراعة محاصيل أخرى مثل القمح واستقرار المياه على الترع طوال السنة، استقرَّ هؤلاء العمال وزاد اختلاطهم بالمُزارعين ودخلوا في شراكات معهم، وبعضهم أصبحوا أصحاب أملاك، واشتغلوا في أعمال مختلفة ودخلوا الأسواق وقطاع النقل وتربية الحيوانات وقطاع الفن وكرة القدم ووصلت إليهم خدمات التعليم والصحة والمياه.
ومن الواضح أن تغييراً نحو الأفضل طرأ في العلاقة بين قرى العمال والمزارعين وزادت وتيرة التداخل بشكل وثيق. ولم يعد هؤلاء العمال محصورين في سكنهم على الكنابي فقط، إنما استقرَّت أعداد كبيرة منهم في القرى والمدن الكبرى مثل الحصاحيصا والمناقل وغيرها، ودخل عددٌ منهم الروابط والجمعيات وصولاً إلى المجلس التشريعي. لكن هذا التوسع الملحوظ صاحبته، بحسب البوني، بعض السلبيات مثل النمو العشوائي والكثافة السكانية في مساحة ضيقة. وفي هذا الاتجاه يقترح بعض الحلول لمواجهة هذه الآثار، وتتمثل في إيقاف النمو العشوائي وتجميع الكنابي الصغيرة في مساحات أكبر لتَستوعب هذه الأعداد الكبيرة وتجهيزها بالخدمات الضرورية في حياة الإنسان.
الحرب تُغيِّر المعادلة
مع اندلاع حرب 15 أبريل في السودان ووصولها إلى ولاية الجزيرة، اهتزَّت هذه العلاقة قليلاً بسبب الانحيازات القبلية التي فرضتها الحرب، بجانب الانتهاكات التي ارتبكتها القوات المتقاتلة بطرفيها على مجتمع الكنابي والجزيرة على وجه أعم، لا سيما بعد إعادة بسط الجيش والكتائب المُتحالفة معه سيطرته عليها. وهنا يُشير البوني إلى أن مُحاولات بعض الجهات تَسييس هذه القضية كان لهاتأثيراتٌ السالبة في الانحدار بحالة التعايش السلمي والمجتمعي إلى الاحتكاكات المُباشِرة، ويُؤكِّد أن التحدي الأكبر ظلَّ يتمثّلُ في المحافظة على حالة التعايش السلمي والوصول به إلى حالة الاندماج لتجنيبه الانزلاق. وبحسب البوني، فقد برز هذا التحدي بوضوح خلال الحرب خاصة مع دخول الدعم السريع، الأمر الذي أحدث تغييراً في طبيعة العلاقة بين الأطراف قبل أن تُحتوى التداعيات لاحقاً وتعود العلاقات إلى مسارها الطبيعي، بل لاذت أعداد كبيرة من سكان قرى شمال الجزيرة بـ “الكنابي” مع اجتياح قوات الدعم السريع للولاية والانتهاكات الوحشية التي ارتكبتها في حق المواطنين بالولاية، كما تروي الأستاذة فاطمة عبد القادر تجربتها مع مواطني قرية زالنجي الذين بادروا بإصرار لاحتوائها وأفراد أسرتها حتى وضعت جدولاً لترضية الجميع.
*صحفية.
:::

