تقرير: دارفور 24
تواجه مئات الناجيات من العنف الجنسي في مواقع النزوح بمدينة طويلة بولاية شمال دارفور أوضاعاً إنسانية ونفسية بالغة التعقيد، وسط غياب الحماية والخدمات الصحية والدعم النفسي، وفق شهادات ضحايا وعاملين في المجال الإنساني تحدثوا لـ”دارفور 24″.
وأكدت مصادر حقوقية أن أكثر من 500 حالة اعتداء جنسي تم توثيقها بين الفارات من مدينة الفاشر ومحيطها، في وقت لا تزال فيه الانتهاكات مستمرة مع تصاعد موجات النزوح.
وباتت مواقع النزوح في طويلة ملاذاً قسرياً للنساء والفتيات اللواتي تعرضن لانتهاكات خلال رحلات الفرار من الفاشر ومخيم زمزم، إلا أن الظروف القاسية داخل تلك المواقع تدفع كثيراً من الناجيات إلى التركيز على البقاء بدلاً من التعافي النفسي والاجتماعي.
اغتصاب جماعي
وتروي سليمة (27 عاماً)، وهي إحدى الناجيات، لـ”دارفور 24″ تفاصيل تعرضها للاغتصاب الجماعي أثناء فرارها من مخيم زمزم بالتزامن مع اجتياح قوات الدعم السريع للمخيم في أبريل 2025. وقالت إنها انفصلت عن أسرتها أثناء رحلة النزوح بين زمزم وطويلة، قبل أن تعترضها مجموعة من عناصر الدعم السريع برفقة أربع نساء أخريات.
وأضافت أن المسلحين اقتادوهن إلى أماكن متفرقة، حيث تعرضت للضرب المبرح وتمزيق ملابسها قبل أن يتناوب ثلاثة عناصر على اغتصابها، فيما تحدثت عن تعرضها لإهانات وانتهاكات وصفتها بالقاسية والمهينة.
وأكدت سليمة أنها ليست الحالة الوحيدة، بل واحدة من مئات النساء والفتيات اللواتي تعرضن لاعتداءات جنسية خلال النزوح من الفاشر إلى مناطق أكثر أمناً.
وفي أحد تجمعات النازحين بمدينة طويلة، تحاول مريم “اسم مستعار”، البالغة من العمر 17 عاماً، تجاوز صدمة فقدان والديها وشقيقتها التي لا تزال في عداد المفقودين.
وقالت مريم لـ”دارفور 24” إن والدتها قُتلت جراء قصف استهدف منزل الأسرة في أحياء النصرات بمدينة الفاشر في سبتمبر 2025، وذلك بعد أشهر قليلة من مقتل والدها الذي كان يعمل في الجيش السوداني.
وأضافت أنها فرت مع أسرتها عقب سيطرة قوات الدعم السريع على أحياء النصرات، لكنها تعرضت للاحتجاز داخل إحدى المدارس بمنطقة قرني بدعوى التحقيق، قبل أن تتعرض مع أخريات لاغتصاب جماعي، بحسب روايتها.
وأوضحت مريم أنها لم تعثر على شقيقتها منذ إطلاق سراحها في اليوم التالي، قبل أن تضطر إلى الانتقال مع أسر نازحة إلى كبكابية بحثاً عنها دون جدوى، ثم وصلت لاحقاً إلى طويلة حيث تلقت دعماً طبياً من شركاء منظمة اليونسيف.
وقالت إن الفحوصات الطبية ساعدتها على الاطمئنان من الإصابة بالأمراض أو حدوث حمل، لكنها ما تزال تعاني اضطرابات نفسية حادة وأفكاراً متكررة بالانتحار.
وأضافت: “رغم أن الأسرة البديلة التي أعيش معها تعاملني كابنتهم، فإن فقدان والديّ واختفاء أختي ما يزال يلاحقني يومياً”.
وبعد أكثر من ستة أشهر على فرارها من مدينة لالفاشر، لا تزال مئات العائلات النازحة في طويلة بشمال دارفور، تبحث عن أقاربها الذين فُقدوا أثناء النزوح أو خلال محاولات الهروب من المدينة، وفق ما وثقته اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وأوضحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تقرير حديث أن عدد حالات المفقودين المسجلة لديها في السودان تجاوز 11 ألف حالة، بزيادة تفوق 40% خلال العام الماضي، في ظل استمرار الحرب واتساع رقعة النزوح.
تفاقم الضغوط النفسية
من جهتها، أكدت خبيرة علم النفس ومديرة وحدة النوع الاجتماعي بإحدى المنظمات الحقوقية الشريكة لليونيسف في شمال دارفور، في تصريح لـ”دارفور 24″، أن الوصمة الاجتماعية والخوف من نظرة المجتمع يمثلان عاملين رئيسيين في تفاقم الضغوط النفسية على الناجيات.
وأشارت إلى أن كثيراً من الناجيات يحتجن بصورة عاجلة إلى الدعم النفسي والطبي والمادي، لافتة إلى أن المنظمة وثقت أكثر من 500 حالة اعتداء جنسي بين الفارات من الفاشر، مع توقعات بوجود أعداد أكبر لم يتم الإبلاغ عنها بسبب الخوف والوصمة المجتمعية.
وأضافت أن المنظمات الإنسانية ما تزال تستقبل ناجيات جديدات، رغم مرور أكثر من عام على اجتياح مخيم زمزم ونحو سبعة أشهر على سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر.
كما حذرت من أزمة متفاقمة تواجه الأطفال حديثي الولادة وسط الناجيات، موضحة أن التدهور النفسي للأمهات يؤثر على الرضاعة الطبيعية وإدرار الحليب، ما يضاعف من معاناة الأطفال.
بدورها، قالت إحدى المرشدات النفسيات لـ”دارفور 24″ إن حجم المساعدات المقدمة لا يتناسب مع اتساع الانتهاكات واحتياجات الناجيات، مؤكدة أن ضعف الخدمات الإنسانية وقلة مراكز الدعم يحدان من فرص التعافي النفسي والاجتماعي للضحايا.

