كتب: الزين عثمان*
يجمع هذا التقرير بين الرياضة والمجتمع في مدينة كوستي على ضفة النيل الأبيض، وهي المدينة التي احتصنت خلال ثلاث سنوات من حرب ضروس نازحين من مُختلف أنحاء السودان. يربط التقرير بين دلالات اسم نادي السلام بكوستي الذي صعد إلى دوري الدرجة الأولى في الأيام الماضية، وبين السلام الاجتماعي الذي بعثته المدينة باستقبالها وضيافتها لكل من لاذ إليها خلال الحرب بكل ترحاب.
عند السادسة إلا بضع دقائق من أصيلٍ كوستيٍّ مُثقلٍ بالأمل، وفي ميدان “الامتداد” الذي يتوسَّد الجزء الجنوبي الغربي من المدينة، دوَّت صافرةُ حكم مباراة “التضامن” و”القادسية”، ضمن منافسات دوري الدرجة الثانية لكرة القدم. لم تكن تلك الصافرة مُجرَّد إعلانٍ برحيل تسعين دقيقة من الركض خلف المستديرة، إنما كانت تدشيناً لبعثٍ جديد؛ ففوز “القادسية” لم يكن مجرد نتيجةٍ عابرة في سجلات الكرة، إنه البريد الذي حمل نبأ صعود فريق “السلام” إلى دوري الدرجة الأولى بالمدينة. فبخسارة فريق التضامن لنقاط مباراة يوم الأحد الماضي أمام القادسية، انتهت لعبة السباق والمُطاردة، فهو في جميع الأحوال لن يَحصل على النقاط التسع والعشرين التي جمعها السلام.
قد يبدو الخبر للوهلة الأولى تقليدياً يُشبه حكايات الترقّي الرياضي في كل حدبٍ وصوب، غير أن ما نفخ فيه من روحه وأخرجه من عادية الأحداث، هو اسم الفريق ذاته، والظرف الزماني الرهيب الذي يمر به السودان؛ حيث يُظلُّله دخان الحروب منذ ثلاثٍ عجاف، ويَغرق في نهرٍ من الدماء والدموع.
صوت “السلام” بين الخيام
صعد إعلان ترقي “السلام” عبر صافرةٍ سُمعت أصداؤها بوضوح في مباني “مدرسة كوستي الجديدة”، وتردَّدَتْ بين بقايا خيامٍ نُصبت لتكون مأوى لمن قذفت بهم نيران الحرب بعيداً عن ديارهم إلى كوستي. تعانقت رمزية الحدث الرياضي مع خشونة الواقع الإنساني، ليكتسب الخبر معنىً يَتجاوز حدوده الظاهرة؛ فلم يكن صعود فريقٍ يُسمى “السلام” خبراً عابراً يُطوى مع صفحات الجرائد، بل كان إعادة رسمٍ لصورة فريقٍ يسكن الحنايا، وتُختصر حكايته في عبارةٍ يُوقّع عليها الجميع بمداد التسليم: “ومن لا يحب السلام؟”.
وتتجلَّى سماحة “السلام” هنا في سيرة مدينةٍ تشبَّثَتْ بقيمته في أكثر لحظات الظلمة قسوة. ففي عام الحرب الرابع، غَدَا صعود “السلام” تعبيراً عن معركة “كوستي” ضد الحرب، وتتويجاً لانتصاراتها المعنوية، وتعزيزاً لقيمةٍ راسخة. “السلام” نادٍ لا يملك داراً مشيدة حتى اللحظة، لكنه يملك قلوب أهل المدينة؛ حتى ليصح القول أن كل بيتٍ هناك هو ركنٌ في النادي، وكلُّ قلبٍ نابضٍ هو مدرجٌ يهتف باسمه، مُردِّداً في صدقٍ خالص: “كل بيوت الفُقَرَا بيوتي”. وكان الشعار الأخضر الذي يتوشَّحه النادي المُؤسَّس عام 1960 هو التعبير الأكثر بلاغة عن صورة كوستي في زمان الموت والكراهية، وزمان الحرب ورفض الآخر.
هنا تلتقي الطرق
تربض كوستي في ولاية النيل الأبيض سيدةً للمدن وكبرى حواضر الولاية، تعتلي نحو 390 متراً فوق سطح البحر على الضفة الغربية للنيل الأبيض، كأنها تحرسه وترقب “ربك” في الضفة المُقابلة. ورغم أن مُشاكسات السياسة، أو العجز عن معالجة التنوع، قد بترت جغرافيا السودان جنوباً، إلا أن كوستي ظلت تهمس في أذن كل عابر: مرحباً بكم في مدينة سودانية الهوى.
أن يأتي “السلام” الأول في ترتيب فرق الدرجة الثانية بالمدينة، تزامناً مع نجاح الحرب في دحرجة حتى “المنتخب الوطني” خارج حدود الوطن المنكوب، كان بمثابة إقرارٍ بأن كوستي لا تزال تتقدم صفوف “السلام”، في خطواتٍ تتجاوز ميادين الكرة إلى ميادين القيم.
لقد جعلت جغرافيا الحرب من المدينة نقطة أمانٍ للقادمين من جهات النزاع المُختلفة، ومُعبّراً لمن يمَّموا وجوههم شطر دولة جنوب السودان أو يوغندا بحثاً عن ملاذ. غير أن كوستي ليست مجرد إحداثيات جغرافية، إنما هي لوحة إنسانية تتداخل فيها الثقافات، مدينة تنبض بالأمل وتفتح ذراعيها قائلة: “هنا تلتقي الطرق، وتبدأ الحكايات”.
من دخل إليها فهو آمن
“ياسر”، أحد أبناء حي “الديم” الخرطومي وقد قذفت به الحرب إلى كوستي، يرى أن سماحة المدينة فاقت سماحة الفريق؛ فهي التي فتحت شغاف القلوب قبل الأبواب، حتى خُيّل إلى النازحين أنهم من صلبها منذ عشرات السنين. هي المدينة التي انتهت إليها رحلات النزوح الطويلة، من جنوب الخرطوم وجبل أولياء، والقطينة، ومدني، وسنجة، ومن قبلها أم روابة والرهد، وكل من مسّتهم نيران الحرب في كردفان أو استعرت عندهم في دارفور؛ استقبلتهم كوستي بعبارةٍ هي دستورها غير المكتوب: من دخل كوستي فهو آمن .
حكاية “ياسر” هي حكاية الآلاف ممن تداعوا إلى المدينة مُرغمين بفعل الحرب، ففتحت لهم قلبها قبل أبوابها. وتتجلى عبقرية كوستي في قدرتها على صهر الشتات، وتقاسم الخدمات الشحيحة، والاحتفاظ بابتسامتها في واقعٍ يستميت ليدفع الجميع نحو البكاء، بل وفي قدرتها على تجفيف دموع الخائفين بطريقتها الخاصة.
في أحد تقاطعات المدينة، كان يقف “الجيو” حاملاً كرتونة لجمع التبرعات لتسيير معسكرات النازحين. يقول “الجيو”، الذي يعمل في مكاتب البصات السفرية، إن حركة العجلات قد تتوقف، “لكن حركتنا ومسؤوليتنا ككوستاب تجاه ضيوفنا لن تتوقف”. وكلمة “ضيوف” هنا ليست استثناءً، بل هي الوصف الذي دَرَجَ على إطلاقه أهلُ المدينة، حيث ينخرط الضيف، وسرعان ما يصبح ربَّ بيتٍ يستقبل ضيوفاً جدداً، في دورة إنسانية تُلخِّصُ حكاية المدينة.
وفي كوستي، يُعجن فريق “السلام” في البيوت ويُسقى من تعب المحبَّة؛ فشعاره تغسله “حِلَّة” بأكملها، وتتقاسم نساؤها أعباءه؛ هنا يُعدّ عصير الكركدي، وهناك يُجلب السكر، ومن بيتٍ ثالث يأتي الثلج، ومن رابع تُحمل الحافظات. ذات المحبة وزعها أهل المدينة على الهاربين من الموت الذين توزَّعوا بين المدارس ومنازل الأسر، في واقعٍ أوجد اكتظاظاً لكنه لم يُفقد الحياة دفئها. “وليد”، الذي قضى عامين هناك ثم قفل عائداً إلى الخرطوم ليجد منزله مدمراً، يُؤكّد أن الحلول المُؤقَّتة صارت دائمة بجمالها. يقول: “فقدتُ منزلي في الخرطوم، لكن ما أفتقده حقاً هو المشي في طرقات كوستي حيث يبتسم لخطوك حتى التراب”.
إن اتسعت القلوب
ما الذي جعل كوستي تحافظ على سلامها في ظل حربٍ سلاحها “بث الكراهية”؟ الجغرافيا جعلت كل مناطق النزاع تنتهي سلاماً في كوستي، وهي من المدن القليلة التي تُجيب عن سؤال “حقت أبو منو؟” بأنها “ملك الكل”. يقول “يوسف”، أحد أبناء المدينة، إن كوستي مُتحلِّلة من “فوبيا الغرباء”، ويُضيف ضاحكاً أن طرفي النزاع لا يجدون تصنيفاً يضعون فيه المدينة، فهي “فلول، ودولة 56، ودولة مهدية، وحاضنة” في آن واحد، لأنها تسع الجميع.
يؤكد يوسف أن حتى الدور التي أُجِّرَتْ كانت بعيدة عن استغلال السوداني لشقيقه، متسائلاً: “هل سمعت يوماً عن مطالبة بطرد شخص من كوستي؟ نحن نؤمن بأن كل الوطن للناس وبالناس المسرة”.
إن جولة واحدة في طرقات كوستي، أو ضحكة ضلَّت طريقها في مقاهيها، ستمنحك الإجابة: لماذا صعد “السلام”؟ ببساطة، لأنه الفريق الذي ينسب نفسه إلى مدينة السلام، المدينة التي لا تسقط فيها قيم التعايش والتمازج، والتي تُبرهن للعالم أن السودان يسع الجميع؛ فقط إن اتسعت القلوب.
*صحفي سوداني

