تقرير – إيمان فضل السيد*

 

ملخص: تقرير يتناول مشروع لوحة السلام، الذي ابتدره تشكيليون سودانيون في معسكر كيرياندونغو في دولة يوغندا، في محاولة لخلق التشافي في نفوس الأطفال الذين وصلوا إلى المعسكر مع أسرهم السودانية اللاجئة، التي نَجَتْ بحياتها من ضرام الحرب، لكنها لم تنجُ بعدُ من آثارها في النفوس.

لوحاتٌ تمتدُّ على طول 900 متر عبر 18 كلاستراً cluster) تجمع سكاني)، داخل معسكر كيرياندونغو للاجئين بيوغندا، يُشارك في رسمها أطفال سودانيون فرُّوا من الحرب حاملين ذاكرتها في عقولهم الصغيرة.

بهذه الصورة يُخطِّطُ القائمون على «مرسم السلام» لاختتام مسار فنيٍّ إنسانيٍّ بدأ قبل حوالي سنة، ولا يزال في طور التخطيط والإعداد، تحت اسم “لوحة السلام”.

مشروع لوحة السلام، كان من المُقرَّر أن يُختم بمعرض في مَطلع هذا العام 2026، لكنه ظل قيد التجهيز، بحسب ما أخبر التشكيلي محمد مرزوق، أحد القائمين على المشروع، لأسباب لوجستية. ويقوم المشروع على تخصيص مساحة 50 متراً لكُلِّ كلاستر من كلاسترات معسكر كيرياندونغو للاجئين، تُمنح فيها للأطفال الأدوات والألوان لرسم تصوراتهم الخاصة لمعاني السلام بمخيلاتهم الصغيرة. وتُمثّل هذه اللوحة خلاصةً لمسار طويل من العمل المُلهم مع الأطفال، وتجربة تراكمت عبر الورش، والرسومات، والحوارات الصامتة مع الألوان.

بينما السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف توصَّلت مجموعة من الفنانين السودانيين اللاجئين إلى التفكير في مشروع بهذا الحجم وبهذا الشكل؟

نقطة البداية

للإجابة عن هذا السؤال، لا بدَّ من العودة إلى نقطة البداية: أربعة فنانين سودانيين التقوا في معسكر كيرياندونغو، بعد مسارات لجوء قاسية فرضتها ظروف الحرب. لم يكن اللقاء مُخطَّطاً له، مثلما الهروب من الحرب تماماً، لكن ما جمعهم كان أكبر من مجرد واقع الهروب من الحرب وتداعياتها؛ إذ تجاوز الواقع إلى الإيمان المُشترك بضرورة السلام، وبقُدرة الفنون على صنعه، أو التعبير عنه على أسوأ الفروض.

يقول محمد مرزوق، أحد مؤسسي المرسم: “التقينا بهمومنا وبفنِّنا، واتّفاقنا الضمني على رفض الحرب، والسعي إلى نشر معاني السلام عبر ما نتسلَّح به من فنون وآليات إبداعية”.

من هذا التلاقي، وُلد «مرسم السلام»، الذي تأسَّسَ رسمياً في أواخر العام 2024 داخل معسكر كيرياندونغو، وبدأ نشاطه من كلاستر “G” المَرسم المُخصَّص للأطفال، ويعمل وفق مقاربة تُراعي الفروق العمرية وقدرات التعبير المختلفة. فالأطفال من سن 6 إلى 11 عاماً يُمنحون حرية الرسم دون توجيه مباشر، بينما تُشجَّع الفئة العمرية من 11 إلى 17 عاماً على التفكير في مفاهيم السلام والتعبير عنها بصرياً بنحوٍ أشدّ وضوحاً ووعياً، بحسبما قال مرزوق.

في بداياته، اعتمدَ المرسمُ على مجهودات المؤسسين الذاتية في توفير الأوراق والألوان. كانت ورش العمل بسيطة في شكلها، لكنَّها عميقة في مضمونها؛ الأمر الذي خلق حالة من التشافي الجماعي من تروما الحرب، إذ تخلَّلَت جلساتِ الرسم، مساحاتٌ للمُؤانسة والغناء يُفسَح فيها المجال لكُلِّ طفل ليُعبّر عمّا يشعر به بطريقته الخاصة.

اللوحات الناطقة

مع تزايد عددِ اللَّوحات، بدأت تتكشَّفُ للقائمين على أمر المرسم حقيقةٌ مُقلقة، فحواها أن الأطفال هم الأكثر تأثراً بالحرب والنزوح. عكست الرسومات صدمات نفسية عميقة، وصوراً للعنف والفقد، إلى جانب محاولات واضحة لاستدعاء الأمل.

“بيوت مُهدَّمة، طرق مقطوعة، ووجوه بلا ملامح، قابلتها في لوحات أخرى أشجار خضراء، وشمس وبحر وأفق، ومساحات مفتوحة. بالنسبة لفريق المرسم، كانت هذه الرسومات شهادات بصرية على حجم  الصدمة النفسية “التروما” التي عاشَها الأطفال”، يقول مرزوق ومن ثم يضيف: “هُنا تحوَّلَ المرسم، عملياً، إلى مساحة دعم نفسي غير مُباشر، هدفها التخفيف من آثار الصدمات الناتجة عن التغيُّرات المُفاجِئة في حياة الأطفال، باستخدام الفن وسيلةً للتفريغ وإعادة التوازن”.

من مبادرة فردية إلى عمل جماعي

لم يبقَ نشاط المرسم محصوراً في مكان واحد. فكلَّما توافرت المواد، انتقلَ الفريق من كلاستر إلى آخر، يجمع الأطفال، يفتح مساحة للحوار، ثم للرسم. هذه الأنشطة، رغم بساطتها، أسهمت في خلق تواصل اجتماعي داخل المعسكر، وأعادت الاعتبار للفن لكونه فعلاً جماعياً وجمالياً.

ومع مرور الوقت، بدأت تتشكَّل شراكات مع منظمات إنسانية وفّرت دعماً لوجستياً، لمُواصلة نشاط المرسم، شمل أدوات الرسم ووجبات للأطفال المشاركين، الأمر الذي ساعد على استمرارية المشروع وتوسُّعه.

أحد أبرز هذه الشراكات كان مع منظمة «عديلة» في العاصمة اليوغندية كمبالا، التي دعمت تنظيم ورشة فنية في أكتوبر الماضي لمدة ثلاثة أيام، واستمرَّ مشروعها في المعسكر حتى نوفمبر. وجمعت الورشة بين الرسم والتلوين والحديث عن السلام، وأسفرت عن معرض كبير لأعمال الأطفال، عُرِضَ لاحقاً في كمبالا، ولاقى اهتماماً من الداعمين ما دفَعَ إلى طلب إعادة عرضه مرة أخرى.

جدلية الفن وبناء السلام

في رؤية القائمين على المرسم، فإن السلام لا يُبنى عبر الاتفاقيات السياسية فحسب، إنما من داخل المجتمعات نفسها، بخاصةٍ مُجتمعات اللاجئين. ويرون أن الفنون – بمختلف أشكالها، من الرسم إلى المسرح والموسيقى – قادرةٌ على ممارسة دور مركزي في إعادة ترميم النسيج الاجتماعي.

ويؤكد فريق العمل على استقلالية مشروعهم، وعدم ارتباطه بأي انتماءات سياسية، مع انفتاحهم على العمل مع المُنظمات التي تدعم المبادرات ذات الصّلة ببناء السلام، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن قضايا الشعوب يُمكن مقاربتها وحلّها عبر الفنون.

“ضمن هذا المسار التشكيلي، تأتي «لوحة السلام» التي تُعتبر مُحصِّلةً طبيعيةً لكل ما سَبَق، فبعد سنة من العمل مع الأطفال، والاستماع إلى تعبيراتهم وفهم ما يُفكِّرون فيه من خلال لوحاتهم، يَسعى الفريقُ إلى تحويل تلك التجارب المُتفرّقة إلى عمل بصري جماعي، يعكس تنوع الذاكرة والأمل داخل معسكر كيرياندونغو”، يقول مرزوق.

اللوحة، التي لا تزال في طور التخطيط، يُنتظر أن تكون أكبر عمل جماعي ينفذه أطفال المعسكر، وأن تمثل خلاصة رمزية لفكرة السلام كما تشكَّلت في وعيهم عبر الرسم والتلوين.

السلام بعيونهم الصغيرة

في إحدى لوحات مرسم السلام، يرسم طفلٌ مدينةً بلا متاريس، وأطفالاً مُتشابكي الأيدي من مختلف السحنات يرقصون على مدرج موسيقي، وبيوتاً مفتوحة الأبواب تتجاور فيها الفروقات بين القرية والمدينة دون صراع. لا تظهر في اللوحة أيُّ رموزٍ للحرب أو العنف، رغم أن الرسّام نفسه أحد ضحاياها. هذا الغياب لا ينطوي على إنكار للواقع، بل ربما يعبر عن تجاوز واعٍ له، وإعلانٍ صامتٍ عن شكل السلام الذي يتمنَّى الطفل أن يَعيشه.

تُقدِّم اللوحة تصوُّراً للسلام كما ينبغي أن يكون بوصفه حالة إنسانية جماعية، تقوم على التعايش والتضامن، لا على الغلبة أو الإقصاء. وفي المقابل، تبدو المساعي السياسية لبناء السلام، عبر الاتفاقيات، عاجزةً عن مُلامسة هذا المستوى الإنساني البسيط، الذي يَرى في الأمان، والفرح، والانتماء، شروطاً أولى لأي سلام مُستدام.

من خلال هذه الرسومات، عكَفَ الأطفالُ على التعبير عن ذاكرتهم المجروحة. ومن خلال هذا التعبير استطاعوا استعادة تعريف السلام نفسه في سياق الحياة المُعاشة، بعيداً عن الوثائق المُوقَّعة بين الأطراف التي أسهمت في صناعة هذا الواقع المأزوم. وفي هذا المعنى، يطرح مرسم السلام سؤالاً مُقلِقَاً ومُلهماً في آن: هل يَرسم الأطفال سلاماً عجز الكبار عن صناعته؟

*صحفية ومدافعة عن حقوق الإنسان.