كتب: عبد الله رزق أبوسيمازة*
يمضي المقال في تحليل مآلات مبادرة دول الرباعية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لإيقاف الحرب في السودان، ومسؤولية الأطراف المختلفة عن إطالة أمدها؛ فضلاً عن تأثير الحروب في غزة وأوكرانيا وأخيراً الهجوم الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران على آمال السلام في السودان.
قيل إن الخليفة الراشد، عمر بن الخطاب، حين أتاه نبأ فتح مصر، ووقوف خيل الخلافة على شواطئ المُتوسّط، طلب من عامله هناك،أن يصف له البحر. قد يجد الواصف، الآتي من تخوم الربع الخالي، الصعوبة نفسها، التي قد يتجشَّمها من يتقصَّد – مثل هذا القلم – وصف السلام أو الحرب (أيهما أقوم قيلا)؛ لكن يبقى الشُّكر كلُّه للسينما، التي يَسَّرت ما هو عسير من الأمر. فمن مشهد للنار والدخان والغبار يتصاعد للأعلى، والأشجار والمباني والناس يتساقطون على الأرض، بينما حفنة من المسلحين شاهري البنادق يندفعون إلى الأمام؛ يُمكن تجميع بعض مفردات ما يتراءى للبعض أنه الحرب. لكن الأكيد أن الحرب تعني، كذلك،شيئاً مُختلفاً لمن فقد أطرافه، أو بعض أفراد أسرته، أو فقد عقله أو روحه. وكذلك السلام.
هذا الاختلاف الجوهري في النظر إلى صورتي الحرب والسلام،هو ما قد يَسمَحُ للبعض بتحبيذ تمديد حرب السودان – التي تقترب الآن من إكمال عامها الثالث – مدى الحياة، ومناهضة السلام ومساعي تحقيقه. قد يكون وجود مُحبّين للحرب، وكارهين للسلام بالطبع – وبضدها تتمايز الأشياء – هو أحد أسباب استمرار القتال طوال السنوات الماضية، بلا هوادة. غير أن تلك الفرضية، لا تعوق مزيداً من التقصي، للتعرُّف على الأسباب العميقة لنشوب الحرب، واحتمالات تمدُّدها لعام رابع، إن لم يكن 2026 عاماً للسلام، وإن لم تستطل حتى تبلغ من العمر ما بلغته الحرب الأهلية في اليمن. فضلاً عن التساؤل عن حظ مبادرة الرباعية في النجاح في إطفاء نار الحرب، ووضع أسس لسلام دائم، لسلام بعينه، وليس أي سلام آخر، بافتراض تعدُّد الرؤى،في هذا المجال.
إن للسلام بوصفه هدفاً وطنياً وإنسانياً، جذوراً عميقةً في وجدان الشعب السوداني، وقد كان كذلك مذ نشبت الحرب. ويمكن التقرير، بأن تاريخ السودان الحديث، يتلخَّص في الكفاح من أجل السلام، بجانب الحرية والعدالة، التي كرَّستها انتفاضة ديسمبر عنواناً للمرحلة. لقد كانت الأهداف الثلاثة لها (الحرية،السلام، العدالة)، ولا تزال دوافع ومحركات التاريخ الوطني، منذ ميلاد السودان المستقل، بمعية الحرب الأهلية الأولى .
لذلك، فإن السؤال عن نهاية للحرب، يَعني التساؤل عن السلام المستدام، وعما إذا كانت حرب 15 أبريل، هي آخر حروب السودان. بعيداً عن التساؤلات اللانهائية، والتي يبدو أن لا إجابات حاسمة حولها في الوقت الحالي؛ تتزايدُ التوقُّعات التي تتمحوَرُ حولَ احتمال أن الحرب تمضي، بالفعل، نحو نهايتها حالياً، في ظل حالة من التفاؤل أطلقتها زيارة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان لواشنطن، في نوفمبر الماضي، ولقاؤه، في البيت الأبيض، بالرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، الذي أبدى استجابة فورية لطلب ولي العهد السعودي له بالتدخل لإنهاء الحرب في السودان، على حد قوله. وتُعتبر الخطة التي تبنتها كل من الولايات المتحدة، والمملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر، بمثابة خارطة طريق استوعبت، ضمن أمور أخرى، بعضاً من أهم مطالب الشعب السوداني، وأصبحت أساساً لنشاط الدول الأربع، منذ حين من الوقت، من أجل تحقيق السلام في السودان.
يُمكن النظر إلى مبادرة الرباعية، باعتبارها الوحيدة من نوعها،الناشطة في مجالها، السياسي والدبلوماسي، نظراً لغياب الرؤية الوطنية المُوحَّدة والجهد الوطني الخالص لإيقاف الحرب وإخراج البلاد من أزمتها، مما جعل التعويل على الجهود الخارجية، خياراًلا مهرَبَ منه؛ ومما يَجعل تحقيقَ السلام، إلى حدٍّ كبير، رهناًبإرادات خارجية، أكثر من ارتباطه بإرادة داخلية. وقد استُقبلت مبادرة الرباعية، منذ البداية، بردود فعل مُتباينة، لكنها تمايَزَتْبانقسامٍ واضحٍ بين دعاة الحرب ودعاة السلام بنحوٍ عام. فقد استقطبت تأييداً ودعماً إقليمياً ودولياً، شمل الصين وروسيا،بجانب المنظومات الإقليمية والدولية، مثل الاتحاد الأوروبي والأفريقي والجامعة العربية والأمم المتحدة. إلى جانب ما تحظى به البلدان الأربعة من نفوذ وتأثير على السودان، فقد حازت على الإسناد، بناءً على استجابتها، لأول مرة، لمطالب مُلحَّة، ومواقف تجتمع عليها العديد من القوى السياسية والتنظيمات النقابية وقوى المجتمع المدني، وبخاصة قوى ثورة ديسمبر.
وخلافاً لمعهود أدب المبادرات الخارجية، فقد تضمَّنَتْ مبادرةُالرباعية برنامجاً مُحدَّداً وواضحاً، يبدأ بفرض هدنة، وحماية المدنيين، ومُخاطبة الأزمة الإنسانية، والتي تُعَدُّ أولويات مُطلَقة،يَليها حوارٌ سودانيٌّ – سوداني. كما تتبنَّى موقفاً واضحاً بشأن استبعاد أطراف الحرب، وعزْل الجماعات المُتطرِّفة ومنعها من التأثير على مستقبل السودان، أو المُشاركة في تقرير المرحلة الانتقالية أو ترتيب مرحلة ما بعد الحرب. إلى جانب القوى المدنية،حازت المُبادرة على موافقة قوات الدعم السريع، الطرف الرئيس في الحرب، بينما تراوحَتْ مواقفُ القوات المسلَّحة منها، بين الرفض المبطن والتحفُّظ.
ومما تجدر ملاحظته، هو نهوض آمال السلام، في الآونة الأخيرةوانعقاد رهانها، هذه المرة، بالقادم الجديد على المسرح الدولي،الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، الذي طالما قدم نفسه، خلال ولايته الحالية، الثانية، بوصفه رجلَ سلام، لحد التنازع على أحقية جائزة نوبل. وخلافاً لما يُستشفُّ من تصريحاته، خلال لقائه مع الأمير السعودي، فإن بلاده لم تكن بعيدة من الوضع في السودان، أو من التعاطي معه، ومع تطوراته. فمنذ انقلاب 25أكتوبر 2021، نشطت الولايات المتحدة، ومن موقع الاحتكار، برفقة بعض حلفائها الأوروبيين، ضمن مسعى لإنهاء الانقلاب الذي قوَّض الشراكة مع المدنيين، واستعادة مسار الانتقال إلى الديموقراطية بقيادة مدنية؛ واتجهت، على إثر تفاقم الأزمة، بعد 15 أبريل، نحو إيقاف الحرب، واستعادة السلام .
إلى جانب ضعف إرادة السلام لدى طرفي الحرب، وضعف القوى المدنية، التي دفعت بها الحرب إلى الخارج، ولم تَعُدْ تملكُ غير أدواتها السلمية والمدنية، لإدارة نشاطها السياسي والدبلوماسي،للضغط من أجل إيقاف القتال؛ فإن الوساطة التي تَنفرِدُ بها أمريكا وحلفاؤها تتحمَّل جانباً من مسؤولية إطالة أمد الحرب، وما ترتَّب على ذلك من خسائر بشرية ومادية، ما لم تستخدم كل نفوذها لتحقيق السلام. ويبدو أن حرب السودان – التي تزامنت مع الحرب في غزة وفي أوكرانيا، وحالياً حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران – تُعَدُّ ضمن الأزمات المُنخفضة الحدَّة،والتي لا تُهدِّد الأمن الدولي؛ وكذلك أمن ومصالح أمريكا وحلفائها، على وجه التحديد، والمتأخرة أو المتراجعة في سلم الأولويات أو الانشغالات الدولية .
وعلى الرغم من أن القرار الأخير بتصنيف جماعة الإخوانالمسلمين في السودان من قبل الخارجية الأمريكية، في 9 مارس الجاري جماعةً إرهابيةً، يُعزِّز خطة الرباعية، ويشلُّ قدرة الجماعةعلى الحركة والنشاط؛ يضع القرار حكومة بورتسودان أمام خياروحيد، هو التحلُّل من العلاقة بالإسلاميين وتبني خطهم الراميللاستمرار في الحرب ومناهضة الجهود السلمية لإنهائها، ما لمتضمن مكاناً لها في الترتيبات ذات الصلة، كالانتقالية وما بعدها.
قلنا إنَّ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أراد أن يُقدِّم نفسه رجلَ سلام، لكنه في الوقت ذاته أشعل منذ أواخر فبراير الماضي حرباً بشنه هجوماً مُشتركاً مع حليفته إسرائيل ضد إيران، ألقَتْ بتأثيراتها مباشرة على أمن منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط. ومن قبلها لم يُفلح اتفاق السلام الذي رعته الولايات المتحدة بين الكنغو وروندا، ووُقِّع عليه في يونيو الماضي، في إيقاف حرب الكنغو، ما يًثير شكوكاً جديةً حول القدرة الأمريكية على إحلال السلام في السودان، ويعيد السؤال كرة أخرى: سلام السودان.. متى غده؟
*صحفي وكاتب ومُترجم

